اللهم اقسم لنا من خشيتك… دعاءٌ يعيد ترتيب حياة الإنسان

من الأدعية الجامعة التي تحمل في كلماتها معانيَ إيمانية وتربوية عميقة، هذا الدعاء المبارك المروي عن النبي محمد ﷺ، والذي كان يدعو به ويعلّمه أصحابه، لما يشتمل عليه من سؤال الله خشيتَه وطاعتَه واليقينَ به، ومن طلب العافية والثبات وحسن التوجّه في هذه الحياة.
وهو دعاء لا يرتبط بوقتٍ أو مناسبةٍ بعينها، بل يصلح أن يكون رفيقًا للإنسان في مختلف أحواله؛ لأنه لا يطلب من الله شيئًا من متاع الدنيا فحسب، وإنما يطلب ما هو أعمق: قلبًا يخشى، ونفسًا تطيع، ويقينًا يهوّن المصائب، وجوارح تبقى في طاعة الله، وحياةً لا تصبح الدنيا فيها أكبر الهموم:
«اللّهُمَّ اقسِم لَنا مِن خَشيَتِكَ ما يَحولُ بَينَنا وبَينَ مَعاصيكَ، ومِن طاعَتِكَ ما تُبَلِّغُنا بِهِ جَنَّتَكَ، ومِنَ اليَقينِ ما تُهَوِّنُ بِهِ عَلَينا مُصيباتِ الدُّنيا، ومَتِّعنا بِأَسماعِنا وأبصارِنا وقُوَّتِنا ما أحيَيتَنا، وَاجعَلهُ الوارِثَ مِنّا، وَاجعَل ثَأرَنا عَلى مَن ظَلَمَنا، وَانصُرنا عَلى مَن عادانا، ولا تَجعَل مُصيبَتَنا في دينِنا، ولا تَجعَلِ الدُّنيا أكبَرَ هَمِّنا، ولا مَبلَغَ عِلمِنا، ولا تُسَلِّط عَلَينا مَن لا يَرحَمُنا.» [1]
إنه ليس مجرد طلب للحفظ من البلاء، بل منهج متكامل لبناء الإنسان من داخله؛ يبدأ بإصلاح علاقته بالله، ثم يمنحه القوة لمواجهة الحياة، ويحفظ عليه دينه وجوارحه، ويعيد ترتيب أولوياته حتى لا تتحول الدنيا إلى غايته الكبرى.
يبدأ الدعاء بقوله:
«اللّهُمَّ اقسِم لَنا مِن خَشيَتِكَ ما يحَوُلُ بَينَنا وَبَينَ مَعصيَتِكَ»
فالإنسان قد يعرف الحلال والحرام، وقد يدرك عواقب الذنب، ولكن المعرفة وحدها لا تكفي دائمًا لمنعه من المعصية. إنه يحتاج إلى رقابة داخلية حية، وهذه هي الخشية.
والخشية ليست خوفًا يُبعد الإنسان عن الله، وإنما وعيٌ بعظمة الله وحضوره ورقابته، يجعل المؤمن يستحي أن يعصيه، ويخشى أن يفقد قربه ورضاه.
ولهذا يطلب الداعي من الله مقدارًا من الخشية يكون حاجزًا بينه وبين المعصية؛ لأن أقوى الحواجز ليست تلك التي تُقام حول الإنسان، بل التي تُبنى في قلبه.
ثم يقول: «وَمِن طاعَتِكَ ما تُبَلِّغُنا بِهِ رِضوانَكَ»
فالغاية ليست كثرة الأعمال في ذاتها، وإنما أن تقود هذه الأعمال إلى رضا الله.
قد يعمل الإنسان كثيرًا، ولكن قيمة العمل الحقيقية تكون في إخلاصه، وصوابه، وأثره في القلب والسلوك. ولذلك لا يسأل الداعي الطاعة فقط، بل يسأل من الطاعة ما يوصله إلى الرضوان.
وكأن الدعاء يعلّمنا أن العبادة ليست غاية منفصلة عن الحياة، بل طريق لبناء الإنسان الصالح، الرحيم، الصادق، الأمين، الذي تظهر آثار علاقته بالله في معاملته للناس.
ثم تأتي عبارة بالغة العمق: «وَمِنَ اليَقينِ ما يَهونُ عَلَينا بِهِ مُصيباتُ الدُّنيا»
المصيبة قد تكون هي نفسها، ولكن وقعها يختلف من إنسان إلى آخر بحسب ما في قلبه من يقين.
فمن أيقن أن الله حكيم، وأن الدنيا مؤقتة، وأن الأجر لا يضيع، وأن وراء الألم حكمة قد نعلمها أو نجهلها، استطاع أن يعبر المحنة بقلب أكثر ثباتًا.
واليقين لا يلغي الحزن، ولا يمنع الدموع، ولا يجعل الإنسان بلا مشاعر؛ ولكنه يمنع الحزن من أن يتحول إلى يأس، والمصيبة من أن تتحول إلى انهيار، والألم من أن يقطع صلة الإنسان بربه.
فكلما اتسع اليقين في القلب، ضاقت المصيبة في النفس.
ثم يقول الدعاء: «اللّهُمَّ أمتِعنا بِأسماعِنا وَأبصارِنا وَقوَّتِنا ما أحيَيتَنا وَاجعَلهُ الوارِثَ مِنَّا»
إنها لفتة جميلة إلى نعم قد نعيش معها كل يوم دون أن نستشعر عظمتها: أن نسمع، وأن نبصر، وأن نتحرك، وأن نستطيع القيام بشؤون حياتنا.
إننا لا ندرك أحيانًا قيمة هذه النعم إلا عندما نفقد شيئًا منها.
ولذلك فإن الدعاء لا يطلب طول الحياة مجردًا، وإنما يطلب حياةً مصحوبة بالعافية والقدرة، وأن تبقى هذه النعم ممتدة ما امتد العمر.
وهنا درس آخر: أن الصحة ليست مجرد نعمة نستمتع بها، بل أمانة نستثمرها في الخير والطاعة وخدمة الناس.
ويقول: «وَاجعَل ثأرَنا عَلى مَن ظَلَمَنا وَانصُرنا عَلى مَن عادانا»
فالإنسان المؤمن لا يبحث عن الخصومة، ولا يبدأ بالعدوان، لكنه كذلك لا يرضى بالظلم ولا يستسلم له.
إنه يسأل الله النصرة والعدل، ويضع قضيته بين يدي الله، فلا تتحول مظلوميته إلى حقد يفسد قلبه، ولا يتحول طلبه للحق إلى ظلم جديد يمارسه على الآخرين.
ثم يصل الدعاء إلى واحدة من أعمق عباراته: «وَلا تَجعَل مُصيبَتَنا في دينِنا»
قد يخسر الإنسان مالًا فيعوّضه، وقد يفقد منصبًا فيجد غيره، وقد تضيق به الحياة ثم تنفرج؛ لكن الخسارة الحقيقية أن يخسر الإنسان قيمه وإيمانه وصلته بالله.
مصيبة الدين قد تبدأ صغيرة: تهاون في واجب، أو استسهال لمعصية، أو قسوة في القلب، أو ظلم للآخرين، ثم يعتاد الإنسان ذلك حتى لا يعود يشعر بخطورة ما يفعل.
ولهذا كان من أعظم ما نسأل الله أن يحفظ علينا ديننا وضمائرنا وقيمنا، مهما تغيرت ظروف الحياة.
ثم تأتي العبارة التي تستحق أن نقف أمامها طويلًا: «وَلا تَجعَلِ الدُّنيا أكبَرَ هَمِّنا وَلا مَبلَغَ عِلمِنا»
لا يطلب الدعاء منا ترك الدنيا، ولا ترك العمل، ولا المال، ولا العلم، ولا الطموح؛ وإنما يطلب ألا تصبح الدنيا أكبر الهم.
هناك فرق كبير بين أن نملك الدنيا وأن تملكنا الدنيا.
نطلب الرزق، ونبني البيوت، ونتعلم، ونعمل، ونخطط للمستقبل، ولكن تبقى هذه كلها وسائل وليست الغاية النهائية.
المشكلة تبدأ عندما يصبح النجاح المادي هو المقياس الوحيد للإنسان، وحين تتحول المقارنات والمظاهر والمناصب والأموال إلى مركز الحياة، فيضيق القلب مهما اتسعت الممتلكات.
وقوله «ولا مبلغ علمنا» يفتح أمام الإنسان أفقًا أبعد من المحسوس والمادي؛ فلا يحصر معرفته واهتمامه فيما ينتهي بانتهاء الدنيا، بل يتطلع إلى معرفة الله، وفهم الغاية من وجوده، وإدراك مسؤوليته الأخلاقية والإنسانية.
ويُختتم الدعاء بطلب يمس حياة الأفراد والمجتمعات:
«وَلا تُسَلِّط عَلَينا مَن لا يَرحَمُنا بِرَحمَتِكَ يا أرحَمَ الرَّاحِمينَ»
فالإنسان يحتاج إلى الرحمة في كل دوائر حياته؛ في الأسرة، والعمل، والمجتمع، وفيمن تكون له سلطة أو قدرة عليه.
وما أقسى أن يقع الضعيف تحت يد من لا يعرف الرحمة، أو أن تُستعمل القوة للإيذاء بدل الحماية، والتسلط بدل المسؤولية.
ولهذا ينتهي الدعاء بالاحتماء برحمة الله: «برحمتك يا أرحم الراحمين»، وكأن الرحمة هي المظلة التي تجمع كل ما سبق.
عندما نتأمل هذا الدعاء نجد أنه يرسم خريطة متكاملة للحياة:
خشية تحمينا من المعصية، وطاعة تقودنا إلى الرضوان، ويقين يخفف مصائب الدنيا، وعافية تعيننا على الحياة، وعدل يحمينا من الظلم، ودين يبقى أعظم ما نحافظ عليه، ودنيا تبقى في أيدينا لا في قلوبنا، ورحمة تحيط بنا في رحلة العمر.
إنه دعاء لا يطلب حياة بلا مشكلات، وإنما يطلب قلبًا قادرًا على عبور المشكلات دون أن يفقد الله.
ولا يطلب دنيا بلا مصائب، وإنما يقينًا يجعل مصائبها أهون.
ولا يطلب المال والجاه قبل كل شيء، وإنما يطلب أن يبقى الدين سالمًا، وأن تبقى الدنيا في حجمها الحقيقي.
ولعل جمال هذا الدعاء أنه يعيد ترتيب حياة الإنسان من الداخل؛ فيبدأ بإصلاح علاقته بالله، ثم يقوّي موقفه أمام مصائب الحياة، ثم يعلّمه كيف ينظر إلى الدنيا والعلم والغاية التي يعيش من أجلها.
ومن هنا يستحق أن نتوقف عند كلماته، لا بوصفها ألفاظًا نرددها فحسب، بل باعتبارها منهجًا متكاملًا لبناء الإنسان المؤمن
وهنا تكمن عظمة الدعاء:
أن أكبر ما ينبغي أن نخاف فقده ليس شيئًا من الدنيا، بل أن نفقد أنفسنا ونحن نطارد الدنيا؛ وأن أعظم ما ينبغي أن نسأل الله أن يحفظه فينا هو القلب الذي يعرفه، والدين الذي يقودنا إليه، واليقين الذي يجعلنا نراه حاضرًا في الرخاء والبلاء.
فطوبى لمن جعل الدنيا طريقًا لا غاية، والعبادة حياةً لا عادة، واليقين قوةً عند المصيبة، وظل قلبه يردد:
اللّهُمَّ لا تَجعَل مُصيبَتَنا في دينِنا، وَلا تَجعَلِ الدُّنيا أكبَرَ هَمِّنا، وَلا مَبلَغَ عِلمِنا، بِرَحمَتِكَ يا أرحَمَ الرَّاحِمينَ.














