تذكرة عودة

أنهيتُ قراءة مقالة الأستاذ أنيس آل دهيم ”الموتى لا يُعدون بالأرقام“..
وأغلقتُ هاتفي.
كان يفترض أن ينتهي الأمر هنا.
غير أن رأسي - لسبب لا أعرفه - فتح مكتب سفر!
وأخذني بعيدًا..
بعيدًا جدًا.
توقفتُ عند تلك الرحلة التي يتمنى الإنسان - بعد مغادرته - لو وجد لها مقعدًا في الاتجاه المعاكس..
﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ .
وسرحت..
ترى.. هل لهذه الرحلة رقم؟
ومن أي مطار تقلع؟
وأين بوابة المغادرة؟
وما اسم الميناء الذي يصل إليه الإنسان ثم يكتشف أن تذكرته كانت ذهابًا فقط؟
وفكرتُ في الجواز أيضًا..
لعل الجواز ضاع هناك!
ابتسمتُ وتأملتُ واندهشتُ من الفكرة.. ثم لم تدم الابتسامة طويلًا.. وعدتُ أُفكّر..
المسألة أكبر من جواز ضائع.
فنحن - في رحلاتنا المعتادة - تعوّدنا أن لكل مغادرة احتمال عودة. نسافر ونترك مفتاح البيت معنا.. نودّع أهلنا ونقول.. استودعتكم الله.. نراكم قريبًا إن شاء الله.
أما هذه الرحلة.. فالأكيد أن أحدًا لا يعرف رقم حجزه!
لا تصل رسالة إلى الهاتف قبلها بأربع وعشرين ساعة.. ولا يستطيع المسافر الدخول إلى التطبيق وتأجيل الرحلة يومين أو إلغاءها لأن لديه ارتباطًا مهمًا.
والأغرب أن الرحلة لا تتأخر..
﴿لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ .
نحن الذين نتأخر عنها في الفهم.
ظللتُ أفكر في الطلب نفسه..
﴿رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ .
وتوقفتُ طويلًا..
إنه لا يطلب العودة ليأخذ شيئًا نسيه..
ولا يبحث عن حقيبة بقيت في البيت..
ولا يريد أن يكمل صفقة.. أو يضيف مبلغًا إلى رصيده.. أو يستعيد مقعدًا خشي يومًا أن يسبقه إليه غيره..
هو يريد أن يعود ليعمل..
فقط.. ليعمل!
كلمتان قلبتا في رأسي أحجام أشياء كثيرة..
”أَعْمَلُ صَالِحًا“..
يا لها من مفارقة..
الأرض نفسها التي كان يمشي عليها منذ قليل أصبحت أمنيته بالعودة إليها.. والوقت الذي كان يقتله انتظارًا صار أثمن ما يطلب في تلك اللحظة.. وأيامه العادية التي كان يعبرها مستعجلًا غدت وطنًا يريد العودة إليه.
لهذا - ربما - أرعبتني فكرة ”العودة“ أكثر مما أرعبتني فكرة المغادرة!
فالمغادرة حدث..
أما طلب الرجوع فاعتراف متأخر بقيمة ما كان في اليد.
وأخذتُ أتخيل المسافر لو أُعطي ورقة صغيرة يكتب فيها سبب طلب العودة..
ماذا سيكتب؟
لن أكتب عنه..
فهذه الورقة أخطر من أن يملأها أحد عن أحد.
لكنني تخيلتُ ورقتي أنا..
وهنا تغيّر الأمر كله.
لم تعد المقالة عن مسافر مجهول..
صار الكرسي كرسيي.. والجواز جوازي.. والاسم المطبوع على التذكرة أعرفه جيدًا.
فالحديث عن المغادرين سهل ما دمنا نقف على الرصيف نلوّح لهم أو نمضي في توديعهم..
أما أن نضع أسماءنا على التذكرة لدقيقة واحدة.. دقيقة واحدة فقط.. فالأمر مختلف.
تتغير عندها مقاسات أشياء كثيرة.
خصومة حسبناها قضية كبرى تنكمش فجأة..
وقلق أكل أيامًا من أعمارنا يبدو أصغر مما كان..
وسباق طويل على أشياء لن يتوقف السباق عليها بمغادرتنا..
وأشياء بسيطة مررنا بجانبها كل يوم تكبر على نحو مدهش..
كأن المسافة لا تغيّر الأماكن وحدها..
تغيّر أحجام الأشياء أيضًا.
فالإنسان بارع في معرفة قيمة الأشياء بعد غيابها.. وأقل مهارة في رؤيتها وهي جالسة أمامه.
أعدتُ فتح هاتفي..
وعدتُ إلى مقالة أنيس..
ثم أغلقتها مرة أخرى.
هذه المرة لم أبحث عن رقم الرحلة.. ولا عن المطار.. ولا عن الجواز المفقود.
فهمتُ شيئًا واحدًا..
ما دام مقعدنا هنا لم يخلُ بعد.. فلدينا متسع لترتيب حقائبنا بطريقة أفضل.
وربما يكفينا أحيانًا أن ننظر إلى ما بين أيدينا بعين مَن يتمنى الرجوع إليه.
أما رحلة ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ﴾ ..
فلا يبيع مكتب الحجز لها تذكرة عودة.
والتذكرة الوحيدة التي ما زالت في أيدينا..
هي هذه اللحظة.














