آخر تحديث: 10 / 9 / 2026م - 12:21 م

تجليات الموسوي ووصاياه

أثير السادة *

• اسم الكتاب: كل هذا يحدث في رأسي
• المؤلف: جواد الموسوي
• دار النشر: أثر
• سنة النشر: 2026
• عدد الصفحات: 280 من القطع المتوسط

الإصدار الأول للكاتب جواد الموسوي المعنون بـ «كل هذا يحدث في رأسي» هو بمثابة نزهة في بستان واسع من الأفكار والمشاعر، ومن المواقف والتأملات، وجميعها تذكرنا بأن هنالك كاتبًا محبًّا للحرف، ومجيدًا للغة، يجمع في داخله حماسة الشباب، وحكمة الشيوخ في آنٍ معًا، حيث تتجاور النبرة العالية في الاحتجاج مع الحكمة والتأمل والروح اللقمانية في مقاربة مفردات الحياة وصورها المتقلبة.

هناك يحملنا الموسوي إلى أول وردة تفتحت في بستان الكتابة عنده، إلى دهشته الأولى كما يصف، وهو يكتب حروفه الأولى بالمدرسة، قبل أن تتحول إلى صورة من صور البحث عن معنى، وعن مسودة تساعده في كتابة نص الحياة، الحياة التي تبدأ من القراءة وسحرها، مرورًا بنبوءة الحبر الذي سيساعده في ترميم العالم الآيل للسقوط بالكلمات. هنا يبحث الموسوي عن نفسه في «مرايا الاحتمالات»، يتعلم من الحياة، ومن ذبول الأشياء، والنظر في وجوه الناس، وقبل ذلك من التفتيش عن الجوهر في داخله، من أجل أن يصل للحظة التي يكتب فيها نفسه.

هذا الكتاب لا يطير بك إلى شكل محدد من أشكال الكتابة، فهو منذور لكل ما تسلل من ثقوب الضوء، وتمدد في أفق الكتابة الواسع، ليكون الدليل على تجليات الوعي الأولي باللغة وجماليتها، وبالأمنيات المذخرة في لغة تخمرت طبيعيًّا فبلغت حدود النضج والعمق متجاوزة ما يصاحب البدايات من ارتباكات، باتجاه موسيقى المجازات، والتماعات الوعي، وروح السؤال التي لا تهدأ، تاركة لنا كتابة أنيقة، تهبنا الثقة في مداد كاتبها، بمثل ما تهبنا الثقة في قدرته على التحليق في سماء الكتابة الإبداعية.

وحده التنويع في أشكال الكتابة داخل الإصدار يحيلنا إلى ما يلحق بالإصدار الأول من ارتباكات، فكل ما يحدث في رأس الموسوي ينتظرك هناك، فساعة تشعل الضوء ستجد أمامك كتابة سيرية يحكي فيها عن علاقته بالكتابة والقراءة، وبالعائلة والمكان، كما ستجد عواطفه المتناثرة في شكل خواطر عن أشياء يحبها، قبل أن يحملك إلى ما يسميه رؤى وجودية، هي بمثابة تأملاته في هذا العالم، تأملات يتوارى في بعضها حس فلسفي، وآخر لقماني، يراد من خلالها الكشف عن هوية الكاتب واهتماماته ومواقفه. هذا إلى جوار نصوص إبداعية باذخة متناثرة داخل الإصدار تحمل رائحة الشعر، كانت كفيلة لو جمعت بعضها مع بعض ضمن الإصدار أن تختصر الطريق إلى عطش الموسوي الدائم للمجاز، وهو يصف لنا محاولاته للعزف على أوتار اللغة.

«كل هذا يحدث في رأسي» يختزل سيرة كاتب شاب، اختار أن يفتح لنا نوافذ قلبه وعقله لنرى تلك المتاهة التي تسلل منها ضوء الكتابة، فكانت السبب في إعادة صياغة وجوده، وهندسة مشاعره، وفي الإصغاء العميق لصوته الداخلي، تلك الكتابة التي بدت له المسافة بين الوجود والعدم، وبين الحضور والغياب، وبين الوعي واللاوعي، وبين المتن والهامش، ليجعل منها ملاذه الأخير أمام هشاشة هذا العالم.