آخر تحديث: 10 / 9 / 2026م - 12:21 م

إذا أرسلت حكيمًا فلا توصه

الدكتور ماهر آل سيف *


يقول المثل العربي البليغ: «إذا أرسلت حكيمًا فلا توصه»؛ لأنك إن اخترته لحكمته، ثم قيّدت حكمته بتعليماتك، فقد أخذت منه اسمه وتركت رسمه، واستعنت بعقله ثم منعته من استعمال عقله.

الحكيم لا يُختار ليكون صدىً لصوتك، ولا نسخةً من رأيك، ولا يدًا تنفّذ أمرك؛ وإنما يُختار لأن له نظرًا أبعد من نظرك، وتجربةً قد تكشف ما غاب عن فكرك، وبصيرةً ترى خلف القرار آثاره، وخلف الطريق أخطاره.

ومن المعاني الإدارية الجميلة المنسوبة إلى ستيف جوبز: إننا لا نوظف الأذكياء لنخبرهم ماذا يفعلون، وإنما نوظفهم ليخبرونا ماذا ينبغي أن نفعل. وتلك ليست عبارةً في الإدارة فحسب، بل مدرسةٌ في القيادة؛ فالتنفيذ يستطيع كثيرون القيام به، أما التفكير، والتقدير، والاختيار بين البدائل، ومعرفة متى نتقدم ومتى نتراجع، فذلك ميدان الخبرة والحكمة والدراية.

ومن أغرب التناقض أن تبحث طويلًا عن الخبير، ثم إذا وجدته قلت له: افعل كما أقول! فإن كان سينفذ فكرتك حرفًا بحرف، فلماذا بحثت عنه أصلًا؟ ولماذا دفعت ثمن خبرته، ثم أغلقت باب مشورته؟

القائد الواثق لا يخشى عقلًا بجانبه، بل يستثمره؛ ولا ينزعج من رأي يخالفه، بل يدرسه؛ ولا يريد حوله رؤوسًا تهتز بالموافقة، بل عقولًا تتحرك بالمناقشة.

والحكمة ليست أن تختار الحكماء فقط، بل أن تمنحهم مساحة الحكمة؛ وأن تثق بمن اخترته ما دام أهلًا للثقة، وأن تحاسبه على النتيجة لا على مخالفة طريقتك.

فإن أرسلت حكيمًا فلا توصه، وإن استشرت خبيرًا فلا تلقنه، وإن اخترت عاقلًا فلا تعطل عقله؛ فالرجال تُختار لما تعرف، لا لتردد ما نعرف، والقيادة الناجحة لا تجمع المنفذين حولها فحسب، بل تجمع العقول التي تجعل الطريق أقصر، والقرار أبصر، والنجاح أكبر.