نذير الماجد: الشاشات تكشف التفاوت الطبقي وتحوله إلى فرجة
حذّر الباحث والكاتب نذير حمزة الماجد من أن التقنيات الرقمية لم تعد مجرد أدوات لنقل المعلومات والثقافة، بل أصبحت قوة فاعلة في تشكيل الوعي وإعادة إنتاج أنماط اجتماعية وثقافية، مشيرًا إلى أن انتشار الشاشات أسهم في كشف التفاوت الطبقي وتحويله إلى فرجة يومية، عبر عرض الثروة وأنماط الحياة والامتيازات أمام جمهور واسع.
جاء ذلك خلال محاضرة نظمتها جمعية علم الاجتماع المهني، بعنوان «التقنيات الرقمية المعاصرة بين قلق الثقافة وانكشاف التفاوت الطبقي»، وأدارها إبراهيم الحربي، حيث تناول الماجد التحولات التي أحدثتها التقنيات الرقمية في الثقافة والمجتمع، وصولًا إلى ما وصفه ب «الزمن السيبراني».
الثروة على الشاشة
وأوضح الماجد أن الهاتف الذكي نقل الفوارق الاجتماعية من نطاقها المكاني التقليدي إلى فضاء رقمي مفتوح، تستطيع الشاشة من خلاله اختراق كل منزل وعرض صور متواصلة عن حياة الأثرياء والميسورين ونجاحاتهم وامتيازاتهم.
وأشار إلى أن الأقل حظًا يجد نفسه أمام هذه المشاهد في موقع المتفرج، يراقب «مزايا الآخرين» وينخرط في مقارنات مستمرة معهم، معتبرًا أن التقنيات الرقمية بذلك لا تكشف التفاوت الطبقي فحسب، بل تنقله إلى فضاء أوسع يتجاوز حدود الحي والقرية والمكان.
وربط الماجد هذا التحول بثقافة الاستعراض الرقمي، موضحًا أن امتلاك الأشياء والاستهلاك أصبحا من أبرز وسائل التعبير عن الذات، فيما تحولت الثروة إلى مادة للاستعراض اليومي عبر الصور والمنشورات والمحتوى المرئي.
ووصف هذا السلوك بأنه يشبه «وقاحة طبقية»، لما يتضمنه من تفاخر بالثروة وتضخيم للامتيازات، مشيرًا إلى مفهوم «العنف الرمزي» لدى عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو، حيث يمكن لعلاقات القوة أن تظهر في صورة عادية وغير مباشرة، من دون أن يعي الطرف المتلقي بالضرورة أنه واقع تحت تأثيرها.
من الوجود إلى الفرجة
ولفت إلى أن الشاشة تجعل الإنسان قادرًا على مشاهدة امتيازات الآخرين باستمرار، فيما تتحول متعة الوجود إلى متعة النظر، وفق ما طرحه المفكر الفرنسي ريجيس دوبريه.
وبيّن أن النجاح المعروض رقميًا قد يتحول إلى معيار للحكم على الذات والآخرين، بما يعزز المقارنة بين الواقع المعيش والصورة المثالية التي تقدمها المنصات.
وقال إن التفاوت الاجتماعي، الذي كان مرتبطًا في السابق بالحي أو القرية أو البيئة المحلية، أصبح اليوم ظاهرًا أمام المستخدم أينما كان، بما يوسع نطاق المقارنة ويجعل الفوارق الاجتماعية أكثر حضورًا في الحياة اليومية.
«السيلفي» وصناعة السعادة
وتناول الماجد انتشار ثقافة «السيلفي»، معتبرًا أنها تمثل جانبًا آخر من هيمنة الصورة في الفضاء السيبراني، حيث تبدو الابتسامة والسعادة والنجاح عناصر أساسية في تقديم الذات.
وأشار إلى أن هذه الثقافة قد تدفع نحو النرجسية والافتتان بالصورة، بحيث تصبح الذات محور المشهد، فيما يتراجع الواقع المادي بكل تعقيداته لصالح صورة منتقاة ومشرقة للحياة.
وأضاف أن التلصص والفضول الرقمي يمثلان وجهًا آخر لهذه الثقافة، مع اتساع متابعة تفاصيل الحياة الخاصة للآخرين وتحول المظهر اللحظي إلى معيار للحكم على الإنسان، بما قد يجعل الوجه المبتسم والصورة الجميلة بديلًا عن البحث في العمق والجوهر.
التقنية تعيد تشكيل الثقافة
وأكد الماجد أن التقنية ليست محايدة، إذ لا يقتصر دورها على نشر المعنى أو حفظه، وإنما تشارك في إنتاجه وتشكيله.
واستعرض تحولات الثقافة عبر التاريخ التقني، مشيرًا إلى أن ظهور الكتابة أحدث انتقالًا من الثقافة الشفاهية القائمة على الذاكرة إلى الثقافة الكتابية، فيما أسهم اختراع الطباعة في تحولات اجتماعية وثقافية واسعة، بينها تشكل المخيال الجمعي والهويات الوطنية.
أما التقنيات الرقمية، فأدخلت المجتمعات، بحسب الماجد، في «زمن سيبراني» أصبحت فيه الهواتف المحمولة بوابة إلى عالم افتراضي واسع تتدفق عبره الصور والمعلومات والسلع وأنماط الحياة والقيم.
سرعة المحتوى تهدد التأمل
وحذر من أن الثقافة الرقمية تمنح الحاضر الآني أولوية على الماضي والمستقبل، إذ تفرض الصورة واللحظة السريعة نفسيهما على المستخدم، بما قد يضعف قدرته على قراءة الماضي نقديًا واستشراف المستقبل.
وقال إن سرعة تداول المحتوى أحلت التبسيط محل التأمل، وأصبحت قضايا فكرية معقدة تختصر أحيانًا في منشورات قصيرة وحاسمة، دون السياقات التاريخية والمعرفية اللازمة لفهمها.
وأشار إلى أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لا يعني بالضرورة زيادة الوعي، بل قد يقود إلى تشظي الوعي وتفتيته، من خلال إغراق المتلقي بمحتويات متباينة وسريعة لا يجمعها سوى المنصة الرقمية.
الثقافة بلا سياق
وتطرق الماجد إلى أثر الفضاء السيبراني في تداول السمات الثقافية، موضحًا أن بعض العناصر الثقافية تنتزع من سياقاتها التاريخية والاجتماعية وتتحول إلى علامات عائمة قابلة للاستهلاك والتداول.
وأشار إلى انتشار أعمال جلال الدين الرومي في مجتمعات مختلفة، وانتقال اليوغا من سياقاتها الفلسفية والدينية والتاريخية إلى ممارسات تقدم في بعض البيئات باعتبارها نشاطًا رياضيًا مجردًا.
وحذر من أن اقتلاع الثقافة من سياقها التاريخي قد ينتج معرفة مبتورة، مستشهدًا بأطروحات المفكر الفرنسي أوليفييه روا حول «الجهل المقدس» وانتشار الأصوليات العابرة للحدود.
دعوة إلى «عولمة الشراكة»
وشدد الماجد على أن مواجهة التأثيرات السلبية للتقنيات الرقمية لا تعني رفض التقنية أو الانغلاق عن العالم، كما لا تعني التعامل معها بوصفها تقدمًا مثاليًا يخلو من الآثار الجانبية.
ودعا إلى بناء رؤية جدلية شمولية تواجه تسطيح الثقافة بتعميقها، والاستغلال والاحتكار بمزيد من المساواة والعدالة الاجتماعية، وصولًا إلى الانتقال من عولمة «الهيمنة» إلى عولمة «الشراكة».
وأكد أن الفضاء السيبراني، رغم ما يكشفه من تفاوتات اجتماعية واستعراض للثروة وهيمنة للصورة والسرعة، يمكن أن يتحول إلى مساحة للمشاركة والتغيير، خصوصًا للفئات الأقل حظًا.
واختتم الماجد بالتأكيد على أن التحدي لا يكمن في التقنية وحدها، وإنما في كيفية استخدامها والبنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تتحرك داخلها، داعيًا إلى تجاوز الاكتفاء بمشاهدة التفاوتات عبر الشاشات، والعمل على تحويل الفضاء السيبراني إلى مجال أوسع للفرص والمشاركة والعدالة.














