آخر تحديث: 6 / 9 / 2026م - 11:44 ص

مفارقات نجيب محفوظ النوبلية!

محمد رضا نصر الله مجلة الفيصل

أثار تصريح المفكر المصري مصطفى الفقي - مؤخرًا - حول أولوية توفيق الحكيم الفوز بجائزة نوبل، صدى تردد في بعض المواقع الإلكترونية - عربية ومصرية - دون إغفاله القيمة الأدبية الرفيعة لنجيب محفوظ التي حققها بإنجازه الروائي على امتداد عقود من الدأب والمهارة.. وهو ما عبر عنه نجيب حين علم بفوزه النوبلي، فقد دمعت عيناه كما قال لإبراهيم عبدالعزيز في كتابه السيري «أنا نجيب محفوظ»: هي حظوظ أن ينزل عملاق مثل توفيق الحكيم فيجيء من بعده من لا يتوقع أن يحصل على جائزة نوبل» وهذا ما عبر عنه في حواري التلفازي معه بداية شهر فبراير 1978 في شقته الأرضية بحي العجوزة القاهري، مغازلًا وقتذاك جائزة الملك فيصل العالمية. فقد كان مقتنعًا بأن الأحق بنوبل أستاذه توفيق الحكيم الذي سبقه بإصدار روايته «عودة الروح» سنة 1933 وروايته «يوميات نائب في الأرياف» سنة 1937، لولا وفاته قبل حصول نجيب محفوظ عليها بشهور وذلك في 13 أكتوبر 1988.

كان الحكيم يتوقعها لا ريب، بعد مساندته زيارة الرئيس أنور السادات القدس 1977 مساندة حماسية أدت به إلى وصف من عارضها من المصريين والعرب بالأقزام في مقال عنيف العبارة نشره حينها في جريدة الأهرام، كما إنه أيد قبل ذلك ما دعا إليه نجيب محفوظ إلى التصالح مع إسرائيل، في ندوة الأهرام الشهيرة مع العقيد معمر القذافي سنة 1972، رغم إنهما كانا من الموقعين على بيان المثقفين المصريين المئة الموجه في يناير من العام نفسه إلى السادات احتجاجًا على حالة اللاحرب واللاسلم.

المثقفون والسلام والتطبيع

لقد ترك تصريح محفوظ المتصالح صدى سريعًا لدى تلك الآنسة الظريفة كما وصفها توفيق الحكيم للناقد الأدبي غالي شكري، طالبًا منه تعريفها بهيئة تحرير مجلة الطليعة اليسارية من مفكريها وأدبائها التي زارتهم.. إنها سناء حسن المولودة في أمريكا من أبيها الباشا السفير المصري قبل الثورة، وقد قدمت إلى القاهرة بدعوى إعداد دراسة أكاديمية لجامعة هارفارد بإشراف أستاذها اليهودي الصهيوني «صفران» حول موقف الثقافة المصرية المعاصرة من أهم القضايا التي تشغل بال المواطن المصري، بعد زيارتها هذه أفردت لها جريدة «نيويورك تايمز» مجالًا لنشر مقال تدعو فيه للاعتراف بإسرائيل.. ويضيف غالي شكري في كتابه «من الأرشيف السري للثقافة المصرية» إنها ترددت بعد زيارتها القاهرة على إسرائيل للالتقاء بشعراء المقاومة وأدبائها في الأراضي المحتلة، خاصة بعد قراءتها مسرحية الشاعر سميح القاسم «كيف رد الرابي على مندل» داعيًا ضمنها للاعتراف بإسرائيل، وهو ما تضمنه إثرها «النداء العاجل لشعوب المنطقة» دعا فيه موقعوه إلى ذلك وهم حنا إبراهيم وسميح القاسم وعصام العباسي ونزيه خير وسالم جبران «تلميذ شموئيل موريه اليهودي العراقي أستاذ الأدب العربي المتميز بأبحاثه في الجامعة العبرية الذي أشرف على أطروحة جبران عن محمد مهدي الجواهري ومجتمع الكراهية» بعدما احتج الشاعر توفيق زياد على البيان تملص سميح القاسم منه.. أما الروائي إميل حبيبي فقد قبل بعد اتفاق أوسلو جائزة إسرائيلية تقديرية لأدبه في يوم ذكرى تأسيس إسرائيل! وقد وجدته قبل ذلك في مهرجان أصيلة يدعو من يقابل من الأدباء العرب إلى زيارة إسرائيل، حيث زارها وقتذاك المسرحي المغربي الطيب الصديقي وكذلك المفكر المغربي عبدالكبير الخطيبي بعد أن ألف كتابًا في نقد الصهيونية، ونقد في كتابه «النقد المزدوج» وعي جان بول سارتر الشقي، الذي ناصر الثورة الجزائرية ثم زار إسرائيل مباشرة بعد زيارته القاهرة الحفية به سنة 1968.. حين ناقشت إميل حبيبي في لقاء تلفازي على شاشة mbc سنة 1994 مواقفه الملتبسة من قضية شعبه الفلسطيني وهو الكاتب التقدمي اعتذر قائلًا: إنه أخطأ منتقدًا ميكيافليته السياسية، وأنه لا يجد نفسه إلا في الكتابة الأدبية ففيها الصدق على حد قوله.

بعد هذا بسنوات عثرت الفنانة المصرية هالة القوصي أوراقًا تخص توفيق الحكيم، عثرت عليها صدفة وصفتها بالكنز الأدبي والسياسي، تضمنت تأييده المطلق لأنور السادات تأييدًا مطلقًا من اتفاقية كامب ديفيد خلافًا لمواقف معظم مواطنيه، وهو ما دفع الرئيس المصري بعد فوزه بجائزة نوبل مناصفة مع مناحيم بيغن رئيس وزراء إسرائيل، لان بوعز إلى سفارة بلده في السويد العمل على ترشيح الحكيم لنوبل، وهذا ما قاله لي الأمريكي من أصل مصري إبراهيم عويس أستاذ الاقتصاد في جامعة جورج تاون في برنامجي «هذا هو» بأنه وأكاديميون آخرون عملوا على ترشيح الحكيم لها، بما ألفه من روايات ومسرحيات ترجم بعضها إلى لغات أوروبية مختلفة.

كان الحكيم يتوقع جائزة نوبل بعد مساندته زيارة الرئيس أنور السادات إلى القدس، سنة 1977 م، وقد كانت مساندة حماسية أدت به إلى وصف من عارضها من المصريين والعرب بالأقزام

الترجمة المنحازة

يذكر أستاذ الترجمة البريطاني دنيس جونسون ديفيز في أحد مقالاته، إنه بعد وصوله القاهرة سنة 1945 سارع لزيارة توفيق الحكيم طالبًا الإذن منه لترجمة روايته «يوميات نائب في الأرياف» إلى الإنجليزية ففاجأه بأنه سمح بترجمتها لابا إيبان الذي أصبح بعد سنوات وزيرًا لخارجية إسرائيل حتى هزيمة مصر المدوية سنة 1967 لقد أسس أبا إيبان العمل الترجمي بين اللغتين العربية والعبرية في الأوساط الجامعية والثقافية في إسرائيل، وقد بدأ منذ سنوات طويلة وهي - كما يرى الناقد الأدبي الإسرائيلي يهودا شنهاف - أنموذج للترجمة أحادية الفكر المنغلق على ذاته.. في هذا الجو تخصص سان سوميخ اليهودي العراقي المولود في بغداد سنة 1933 والمهاجر إلى إسرائيل سنة 1951 بعد تخرجه من مدرسة «شماس» اليهودية الثانوية ليلتحق بجامعة تل أبيب وبعد تخرجه منها سجل أطروحته للدكتوراه في جامعة أكسفورد البريطانية سنة 1966 عن «الإيقاع المتغير في روايات نجيب محفوظ» تحت إشراف البريطاني من أصل مصري د محمد مصطفى بدوي أستاذ كرسي اللغة العربية وآدابها، ويؤكد ساميخ في الجزء الثاني من مذكراته إنه واصل الاهتمام بدراسة أدب نجيب محفوظ وتقديمه إلى الجامعات الإسرائيلية بناء على موقفه المتصالح مبكرًا وقبوله العلاقة السلمية مع الآخر وإمكانية التعايش بين العرب واليهود، وهو ما صرح به نجيب محفوظ مرارًا إلى الصحافة وبعض دارسي أدبه الروائي، وأكده في رسالته إلى سوميخ بتاريخ 12 / 10 / 1978 مختزلًا علاقته الشخصية بدارس أدبه الإسرائيلي سان سوميخ بـ «التعاون المثمر بين بلدينا على مدى الأعوام الطويلة قديمًا وحديثًا مبديًا «محفوظ» أسفه بأن أيام الخصام كانت قصيرة وقليلة غير إننا ويا للأسف عنينا بتسجيل لحظات الخصام أكثر مائة مرة من تسجيل أجيال الصداقة والتعاون»!!!

تذهب نهلة راحيل وشقيقتها ناهد أستاذتنا اللغة العبرية وآدابها بكلية الألسن القاهرية في ورقتهما البحثية المشتركة بعنوان «ترجمة نجيب محفوظ» إنه «عند الحديث عن الفعل الترجمي بين اللغتين العربية والعبرية لا يمكننا تجاهل السياق السياسي الذي نشات داخله محاولات الترجمة بين الطرفين وكذلك الخطاب الاستعماري المهيمن الذي توجهت به المؤسسة الصهيونية إلى العرب واليهود العرب في نطاق علاقات الأكثرية - الأقلية وبما تفرضه من صراعات فالخلفية الايديولوجية التي يتبناها المترجم هي المحرك الأول في اختيار نصوص بعينها يبث من خلالها مقاصده وتوجهاته حيث يعد نجيب محفوظ الأديب العربي الحاضر بقوة في الفعل الترجمي في مختلف ترجمة أعماله فمن مترجم إلى آخر ومن ثقافة «أوروبية» إلى ثقافة «إسرائيلية يلبي أهداف المترجمين وفق توقعات «الغربي» أو «الإسرائيلي» نحو صورة بانورامية نمطية عن المجتمع المصري» وهذا ما يؤكده يهودا شنهاف حسب بوابة الهدف الإلكترونية «بأن وساطة المترجمين اليهود في السنوات الأولى من إقامة الدولة واضحة حيث أغدق المترجمون ترجماتهم بملاحظات وتفسيرات وتفصيلات استشراقية عكست انعدام التكافؤ بين اللغتين وحالت تلك الملاحظات الاستشراقية المسبقة دون إمكانية قراءة الأدب الفلسطيني بشكل خاص والعربي بشكل عام بعيون موضوعية».

أصوات ناقدة من الداخل

الأمر المفارق هنا إنه في الوقت الذي لا يخفي نجيب محفوظ إعجابه الضمني بـ «النموذج الإسرائيلي» الذي طالما دعا للتصالح معه، نرى إسرائيل شاحاك أستاذ الكيمياء العضوية ورئيس رابطة الحقوق الإنسانية والمدنية، تنشر له جريدة الرياض مقالًا مترجمًا بعنوان «النازية الجديدة في المجتمع الإسرائيلي» بتاريخ 22 فبراير 1988 أي قبل إعلان فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل في 13 أكتوبر 1988 عقبت عليه بمقال مرحب تمنيت فيه لو نشرت الجريدة مقاله النقدي في الصفحة الأولى، فقد أكد شاحاك أن نازية إسرائيل لا تقيم أي اعتبار لمن ليس يهوديا، وكان بذلك يعلق على ما جرى أمام عينيه لرجل أسود كان يسير في حي يسكنه يهود متدينون، وقد تعرض لضربه شمس إلى حد الإغماء، دون أن يسارع أحد منهم إلى طلب الإسعاف لإنقاذه، فعقيدة اليهود لا تكسر أيام «السبوت» لمن هو غير يهودي، وكان شاحاك اليهودي البولندي ما يزال في سنواته الإسرائيلية الأولى بعد فراره من معتقله الناري، فطفق يتساءل إذا كان هذا الحال مع رجل أسود فكيف هو الحال مع العرب الذين يعيشون داخل إسرائيل، وقد رأى بأم عينيه كيف يهجر الفلسطينيون من بيوتهم لكي يحلها اليهود الآتون من أوروبا «الأشكناز» وديار الإسلام «السفارديم» هذا ما جعله يصدر كتابه النقدي ضد «عنصرية إسرائيل» ثم كتابه الآخر «الديانة اليهودية وموقفها من غير اليهود وطأة ثلاثة آلاف عام» وهو عبارة عن قراءة تفكيكية نقدية لنصوص توراتية تقوم عليها الأصولية اليهودية في إسرائيل.

أول من توقع وصول نجيب محفوظ إلى العالمية كان سيد قطب في كتابه «كتب وشخصيات»، حين كان ناقدًا أدبيًا في مرحلته الليبرالية

أما اليهودي الآخر سامي ميخائيل المولود في بغداد سنة 1926 والمهاجر إلى إسرائيل بعد هروبه إلى إيران من بغداد إثر ما تعرض له الشيوعيون العراقيون بما فيهم رفاقهم من اليهود سنة 1949 إلا إنه حين وصل إلى الجنة الموعودة كما صورتها عملية «بساط الريح» لتهجير اليهود العرب من بلدانهم إلى إسرائيل برعاية الوكالة اليهودية ورئيسها ناحوم غولدمان، وجدها سامي ميخائيل مجتمعًا من الجحيم العنصري والطبقي، وهذا ما جعله وزميله سمير نقاش يؤثران العزلة والاغتراب منطويين على نفسيهما في غيتو «عراقي» لنجد أن معظم ما أصدره سمير نقاش من قصص يكتبها باللهجة البغدادية، بينما واصل سامي ميخائيل كتابة رواياته بالعربية وأحيانًا بالعبرية معبرًا عن معاناة اليهود العراقيين داخل إسرائيل، وقد أثارت واحدة من أخريات رواياته «حمام الطرف الأغر» الصادرة سنة 2005 اهتمامًا قرائيًا ونقديًا لافتًا، بوصفها صورة يهودية في مقابل صورة فلسطينيي الشتات في رواية غسان كنفاني «عائد إلى حيفا» فسامي ميخائيل يحكي قصة تهجير اسرائيلي لاسرة فلسطينية من بينها فنسبت وهي في عجلة من أمر تسفيرها ابنها، الذي تبنت امرأة يهودية تربيته وحين كبر وجد اسمه زئيف جنديًا في جيش الاحتلال، وحين التقى بامه لم تنس أمومتها نحوه الذي بادلها بمشاعر البنوة، ومع خدمته العسكرية إلا إنه يظل محسوبًا على السفارديم الأقل رتبة وامتيازات من الأشكناز، منتقدًا في روايته كما في مقابلاته الإعلامية عنصرية إسرائيل متوقعًا زوالها ما دامت مستمرة في معاداة العرب وتهميش حقوق الفلسطينيين داخل إسرائيل، وعدم القبول بقيام دولة فلسطينية مستقلة، منتقدًا إسرائيل بوصفها دولة حرب لا سلام منذ عدوانها الثلاثي مع بريطانيا وفرنسا على مصر سنة 1956 حيث تستمر في قتل الفلسطينيين ومعاداة جيرانها العرب.

من خان الخليلي إلى نوبل

يذكر دنيس جونسون ديفيز أنه طلب من توفيق الحكيم ترجمة روايته «يوميات نائب في الأرياف» إلى الإنجليزية، ففاجأه بأنه سمح بترجمتها لأبا إيبان الذي أصبح بعد سنوات وزيرًا لخارجية إسرائيل

حين غزت أمريكا بغداد بعد غزو صدام حسين دولة الكويت، أحس سامي ميخائيل وهو يرى النهب والدمار، وكأنه يقتطع قطعة من لحمه حيث ولد هناك.. يا ترى هل تشبثه بالمكان العراقي والحنين إليه كما تجلى في روايته «فيكتوريا» حول عائلة يهودية عراقية الجدة «ميخال» وأبنائها الثلاثة «عزوري ويهودا وإلياهو». وهم يعيشون في حوش قديم في الحي اليهودي ببغداد، في مطالع القرن العشرين، قبل أن تتبعثر أقدارهم، ساق ذلك سامي ميخائيل إلى التعويض النفسي عن فقدانه مسارح صباه وشبابه، نحو الافتتان بجمالية المكان الشعبي في ثلاثية نجيب محفوظ، الذي ترجمها إلى اللغة العبرية إعجابًا بطاقتها السردية المعبرة عن تاريخ القاهرة الاجتماعي.

وأخيرًا

فمن مفارقات تجربة نجيب محفوظ الروائية، أن أول من توقع له الوصول إلى «المنصات العالمية» لم يكن سوى سيد قطب في كتابه «كتب وشخصيات» حين كان ناقدًا أدبيًا المعبأ في مرحلته «الليبرالية» في بداية حياته الفكرية، فقد كتب إثر صدور رواية «خان الخليلي» سنة 1945 مقارنًا بينها وبين رواية «عودة الروح» لتوفيق الحكيم منتصرًا لنجيب محفوظ كما ورد في صفحة 59 من الكتاب «إن الملامح المصرية الخالصة في خان الخليلي أوسع وأقوى» منتقدًا الظلال الفرنسية في رواية الحكيم التي وسمها بالالتماعات الذهنية والمطارحات الفكرية بجانب استدعائه الواقعية.

يا ترى هل قرأت لجنة تحكيم جائزة نوبل هذا الرأي «القطبي» وهي تستعد لإعلان فوز نجيب محفوظ بها.؟!