آخر تحديث: 6 / 9 / 2026م - 11:44 ص

الفقر الذي لا يراه الناس

الدكتور ماهر آل سيف *

قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب : «ليس الفقير الذي لا يملك الفضة والذهب، إنما الفقير الذي لا يملك الأخلاق والأدب».

فليس كلُّ من قلَّ ماله فقيرًا، ولا كلُّ من كثر ماله أميرًا؛ فقد يسكن الأدبُ كوخًا فيرفعه، ويسكن الكِبرُ قصرًا فيضعه، وقد يكون الرجل قليلَ المتاع عظيمَ الطباع، ويكون كثيرَ الأموال فقيرَ الخصال.

ولذلك حين أثنى الله على نبيّه محمد ﷺ، لم يقل: إنك لذو مالٍ عظيم، ولا جاهٍ عظيم، ولا سلطانٍ عظيم، وإنما قال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ؛ لأن الخُلُق تاجُ الإنسان، وزينةُ الإيمان، وجوازُ العبور إلى القلوب بلا استئذان.

وفي السنة: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»؛ وكأن الرسالة تقول: إن العبادة بلا أثرٍ في السلوك ناقصة، والمعرفة بلا تواضع قاصرة، والمكانة بلا رحمة خاسرة.

في العمل، قد تكون مديرًا، ولكن إن أهنت موظفًا فأنت فقير الأدب ولو امتلأ مكتبك بالألقاب.

وفي الأسرة، قد تنفق المال، ولكن إن بخلت بالكلمة الطيبة فأنت محتاج وإن كثر عطاؤك.

وفي المجتمع، قد يعرفك الناس، ولكن إن احتقرت ضعيفًا أسقطت قدرك بيدك.

وفي السفر والغربة، لا يحمل الإنسان معه نسبه ولا مجلسه، وإنما يحمل خُلُقه، فيُعرف به ويُحترم من أجله.

وفي الغنى يظهر التواضع، وفي الفقر يظهر التعفف، وفي الأزمات تظهر المعادن، وعند الغضب تنكشف السرائر.

قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا ، وقال سبحانه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا .

فإن كنت ذا مالٍ بلا خُلُق، أو ذا جاهٍ بلا تواضع، أو ذا علمٍ بلا أدب، أو ذا عشيرةٍ بلا رحمة؛ فأنت غنيٌّ بما تملك، فقيرٌ بما تكون.

فالمال قد يُسرق، والجاه قد يزول، والمنصب قد ينتهي؛ أما حسن الخُلُق، فهو ثروةٌ تصحبك في الحياة، وتبقى لك بعد الممات.

وقد يأتي من يقول: الواقع اليوم غير، والحياة كلها مال، والمال يصنع لصاحبه الهيبة والاحترام. فنقول له: نعم، المال يصنع نفوذًا، لكنه لا يصنع خُلُقًا، وقد يشتري المجاملة لكنه لا يشتري المحبة، وقد يجمع حولك المنتفعين لكنه لا يضمن لك المخلصين. ثم نسأله: أأنت أخبر بحقيقة الإنسان من الله عز وجل؟ أم أعلم بموازين الكرامة من رسول الله ﷺ وأمير المؤمنين ؟ فالمال وسيلة، والأخلاق قيمة، والوسيلة تزول، أما القيمة فتبقى وتطول