أسرع من الصوت
ثمة أشياء لا تحتاج إلى أجنحة كي تسبقنا، ولا إلى طريق كي تصل، تخرج من بين شفاهنا في لحظة، ثم نجدها قد سبقت اعتذارنا، وبلغت قلبًا لم نكن نرى هشاشته، واستقرت في موضع لا تستطيع أيدينا الوصول إليه، إنها الكلمة؛ ذلك الشيء الذي لا وزن له في اليد، وقد يكون أثقل من جبل حين يقع في الروح.
في لحظات الغضب، تضيق المسافة بين الشعور واللسان، حتى تكاد تنعدم، وما كان العقل سيمنعه في ساعة صفاء، قد يقذفه اللسان في ثانية غضب، وحين تهدأ العاصفة، يعود الإنسان إلى نفسه، فيكتشف أن ما خرج منه لم يعد ملكًا له؛ فالكلمة، متى قيلت، تنتقل من سلطة قائلها إلى ذاكرة سامعها. يستطيع قائلها أن يفسرها، وأن يعتذر عنها، وأن يقسم أنه لم يقصدها، لكنه لا يستطيع أن يجعلها لم تُقَل.
ولعل مأساة الكلمة الجارحة أنها لا تنتهي بانتهاء صوتها، فالصوت يموت في الهواء، أما المعنى فقد يعيش طويلًا في الداخل، قد تنتهي المشادة في دقائق، ويعود كل شيء في ظاهره إلى مكانه، غير أن جملة واحدة تبقى عالقة في الذاكرة، تستيقظ كلما مر الإنسان بالموقف ذاته، أو رأى الشخص ذاته، أو سمع نبرة تشبه تلك النبرة. ولهذا فإن بعض الكلمات لا تؤلم حين نسمعها فقط، بل تتعلم كيف تؤلمنا مرة أخرى كلما تذكرناها.
لكن الغضب، على ما فيه من اندفاع، ليس الوجه الوحيد لهذه المشكلة، فثمة من يجرح الآخرين وهو هادئ تمامًا، ثم يمنح قسوته اسمًا أكثر قبولًا: الصراحة.
يقول: «أنا صريح»، أو «ما في قلبي على لساني»، كأن إخراج كل ما في النفس فضيلة في ذاته، وكأن الإنسان يُقاس بقدرته على قول كل ما يخطر له، لا بقدرته على معرفة ما يستحق أن يُقال وكيف يُقال ومتى.
والحال أن الصراحة ليست تصريحًا مفتوحًا بإيذاء الناس.
هناك فرق دقيق وعميق بين أن تقول الحقيقة، وأن تستخدم الحقيقة سلاحًا، الصريح يخبرك بما يراه لأنه يحترمك، أما القاسي فقد يخبرك بالشيء نفسه لأنه يريد أن يراك تتألم، قد تتشابه الكلمات، لكن النية والأسلوب والتوقيت تكشف الفارق بينهما، فالحقيقة التي تُقال لحماية إنسان ليست كالحقيقة التي تُلقى في وجهه لإذلاله.
ثم إن عبارة «ما في قلبي على لساني» ليست دائمًا مدحًا لصاحبها كما يتصور البعض، فليس كل ما يسكن القلب جديرًا بأن يعبر بوابة الفم، في النفس غضب وغيرة وسوء ظن وانفعال عابر وأحكام تولد ناقصة ثم تموت إذا منحناها قليلًا من الوقت، ومن النضج ألا نحول كل خاطر إلى كلمة، ولا كل انفعال إلى موقف، ولا كل غضب إلى حكم نهائي على إنسان.
فاللسان الذي يقول كل شيء ليس بالضرورة لسانًا صادقًا؛ قد يكون لسانًا لم يتعلم بعد فضيلة الاختيار.
والأشد قسوة أن بعض الكلمات تعرف طريقها إلى أكثر الأماكن ضعفًا في الإنسان. نحن لا نجرح الغرباء كما يجرح بعضنا بعضًا؛ لأن القريب يعرف أين يضع كلمته، يعرف الخوف الذي أخفيناه، والنقص الذي نحاول تجاوزه، والذكرى التي لا نحب لمسها، والباب الذي أغلقناه منذ سنوات. فإذا استُخدمت هذه المعرفة في لحظة خصومة، لم تعد الكلمة مجرد انفعال، بل أصبحت خيانة صغيرة للثقة.
وكم من علاقة لم تنتهِ بسبب حادثة عظيمة، بل بسبب جملة صغيرة جاءت في اللحظة الخطأ. وكم من اعتذار صادق وصل متأخرًا، لا لأن صاحبه تأخر في قوله، بل لأن الجرح كان أسرع منه.
لسنا مطالبين بأن نصمت عن الحقيقة، ولا بأن نعيش بعلاقات مصنوعة من المجاملات. لكن بين المجاملة الكاذبة والقسوة مساحة واسعة اسمها الحكمة. تستطيع أن تختلف دون أن تهين، وأن تنتقد دون أن تحطم، وأن تغضب دون أن تنزع عن الآخر كرامته. بل إن قوة الإنسان لا تظهر حين يستطيع أن يقول أشد الكلمات، وإنما حين تكون أشد الكلمات في متناول لسانه ثم يختار ألّا يقولها.
لأن الانتصار في الخصومة سهل أحيانًا؛ يكفي أن تعرف نقطة ضعف خصمك وتضربها. أما الانتصار على النفس، فهو أن تعرفها ثم تمتنع.
نحتاج، قبل أن نتكلم في ساعة الغضب، إلى تلك المسافة الصغيرة بين الشعور والكلمة؛ ثانية واحدة ربما، لكنها قد تنقذ صداقة، أو تحفظ بيتًا، أو تصون قلبًا، أو تمنع ندمًا سيعيش معنا سنوات. فبعض الصمت ليس عجزًا، بل أخلاق. وبعض الكلمات التي لم نقلها قد تكون أجمل ما قلناه في حياتنا.
نحن نعتذر عادة بقولنا: «كانت مجرد كلمة». لكن الكلمات لم تكن يومًا «مجرد» كلمات. بها نحب، ونعد، ونواسي، ونكسر، ونرفع إنسانًا أو نهدم شيئًا فيه. وللكلمة حياة تبدأ بعد أن تغادر صاحبها، وربما لهذا كان الإنسان مسؤولًا عنها أكثر مما يظن.
فإذا غضبت، لا تجعل لسانك يسبق إنسانيتك. وإذا أردت أن تكون صريحًا، فلا تجعل الصراحة اسمًا مستعارًا للقسوة. وإذا امتلكت كلمة تستطيع بها أن تجرح، فتذكّر أن قدرتك على قولها لا تعني أن من حقك أن تقولها.
فالصوت مهما أسرع، ينتهي حين يخفت صداه؛ أما الكلمة، فقد تكون أسرع من الصوت… وأبطأ منه موتًا.














