المفكر الإسلامي العلامة آية الله الشيخ باقر القرشي.. عمرٌ بين الكتاب والقلم
كنتُ في زيارةٍ لسماحة العلامة الشيخ مهدي، نجل المفكر الإسلامي آية الله العلامة الشيخ باقر القرشي رحمه الله. قرأتُ الفاتحة على روح سماحة الشيخ، ثم أخذتُ أتأمل مؤلفاته القيّمة، تلك الكتب التي تقف شاهدةً على عمرٍ طويل قضاه في البحث والكتابة وخدمة تراث أهل البيت
.
والمفكر الإسلامي الشيخ باقر بن شريف بن مهدي بن ناصر القرشي «1344 هـ - 1433 هـ» من أبرز الباحثين والمؤلفين العراقيين، وهو العراقي الوحيد الذي خُصِّص له جناحٌ خاص في مكتبة الكونغرس الأمريكية، كما أنه مؤسس «مكتبة الإمام الحسن العامة» في النجف الأشرف.
جلستُ مع الشيخ مهدي، وقلت له:
— أريد أن أكتب شيئًا بسيطًا عن والدكم، قدّس سره. كيف استطاع أن يكتب كل هذه الكتب؟ وكيف تمكّن من إنجاز موسوعة أهل البيت
في نحو أربعين مجلدًا؟
رحّب الشيخ مهدي بالفكرة، وبدأ يحدثني عن البدايات الأولى لمسيرة والده العلمية والتأليفية.
قال:
— كان للوالد رغبةٌ في أن يكتب في القرآن الكريم، غير أن أمرين أثّرا في توجّهه، وغيّرا مسار مشروعه العلمي.
سألته:
— وما هما؟
فقال الشيخ مهدي:
— سأجيبك كما كان والدي رحمه الله يروي ذلك.
البداية... كتاب الإمام الحسن 
كان الوالد يقول:
التقيتُ يومًا ببعض أساتذة جامعة بغداد، فقالوا لي:
— يا شيخنا، الحوزة العلمية في النجف، على سعتها ومكانتها، لماذا لا يوجد فيها كتابٌ ميسّر يتناول حياة الإمام الحسن
؟ نحن لا نملك القدرة على الرجوع إلى الموسوعات الكبيرة، مثل «بحار الأنوار» وغيرها، ونريد كتابًا يجمع لنا سيرة الإمام الحسن
بصورة واضحة وميسّرة.
فقلت لهم:
— كلامكم صحيح.
كانت تلك الكلمات أشبه ببذرةٍ صغيرة، لكنها وجدت أرضًا خصبة في نفس الشيخ، وبقيت تتحرك في داخله.
ويواصل الشيخ باقر القرشي رحمه الله حديثه قائلًا:
في يومٍ من الأيام، عندما رجعتُ من بغداد، التقيتُ بالسيد الشهيد محمد باقر الصدر، فقال لي:
— شيخنا، ما توجّهك الفكري إلى جانب دراستك الحوزوية؟
فقلت له:
— أريد أن أكتب عن القرآن الكريم.
فقال السيد:
— لقد كتب العامة كثيرًا عن القرآن، وكتب الخاصة أيضًا، وإن كانت كتاباتهم أقل.
ثم سكت الشهيد الصدر لحظات، وأطرق برأسه إلى الأرض، وكأنه يفكر في أمرٍ مهم، ثم رفع رأسه وقال:
— شيخنا، أقترح عليك أن تتوجه إلى الكتابة عن أهل البيت
؛ فالمكتبة الإسلامية فقيرة في سيرتهم. أنت أثْرِ المكتبة الإسلامية في سيرة أهل البيت
، وأنا أعمل على إثرائها في الاقتصاد والفلسفة الإسلامية.
ويقول الوالد:
— بقيتُ يومًا أفكر في هذا الأمر، وفي اليوم الثالث، وبعد أن صليت صلاة الفجر، بدأتُ أول مشروعي في الكتابة عن حياة الإمام الحسن
.
وهكذا، كانت كلمةٌ من أساتذة جامعة بغداد، واقتراحٌ من الشهيد محمد باقر الصدر، سببًا في أن يتجه قلم الشيخ باقر القرشي إلى مشروعٍ علمي امتد سنوات طويلة، وأثمر عشرات الكتب والمجلدات في سيرة أهل البيت
.
يقول العلامة الشيخ مهدي القرشي:
— واللافت في حياة الوالد أنه لم يدخل مدرسةً نظامية ولا جامعة، بل بدأ تعليمه في الكتاتيب والمسجد، وتعلّم القرآن الكريم منذ صغره.
وكان يقول:
— حفظتُ ألفية ابن مالك كاملةً على سطح الدار، وعلى ضوء القمر.
وكان يومئذٍ في بداية شبابه.
ورغم أنه لم يدرس في المدارس والجامعات، فإنه امتلك لغةً عربية قوية، وكان مولعًا بالقراءة والأدب، ويقرأ لطه حسين كثيرًا، ويتابع كتاباته باهتمام، بل كانت له ملاحظات وانتقادات على بعض ما كتبه.
وقد ألّف الشيخ كتابًا في نقد بعض كتب طه حسين، لكن أحد الأشخاص أخذ النسخة منه ولم يُعدها، ولم تكن لدى الشيخ نسخة أخرى من الكتاب، فتألم كثيرًا لضياع هذا الجهد العلمي.
كانت الخسارة مؤلمة؛ فالكتاب ليس أوراقًا فحسب، وإنما ساعاتٌ طويلة من القراءة والتفكير والكتابة.
وحين انتقل الحديث إلى سرّ هذه المؤلفات الكثيرة، برز الجواب واضحًا في سيرة الشيخ نفسها:
الجد والاجتهاد، واحترام الوقت.
كان الشيخ مثالًا لافتًا في العمل؛ فقد كان يقضي نحو ثلاث عشرة ساعة في اليوم في القراءة والبحث والكتابة، حتى ظهرت آثار كثرة الكتابة والعمل على جسده ويديه.
وكان يرفع دائمًا شعارًا يقول فيه:
«هدر الوقت حرام».
وكان يقول:
«إني لم أُهدَ إلى الراحة والسكون لحظةً واحدة».
لم يكن بحاجة إلى مكتب فاخر، ولا إلى كرسي مريح، ولا إلى مكان خاص للكتابة؛ كان يجلس على الأرض، ويضع أمامه وسادةً أو مخدة، ويجعل منها مكتبًا يكتب عليه كتبه وبحوثه.
كانت قيمة المكان عنده بما يُنجَز فيه، لا بما يحتويه من أثاث.
وكان شديد الحرص على وقته حتى في ساعات الليل، فلا يحب أن يُطفأ الضوء في غرفته.
ويروي أحد المقربين منه أنه عاد ذات مرة من إيران، فرأى الشيخ نائمًا في غرفته، فأطفأ الضوء ظنًّا منه أنه يساعده على الراحة.
فانتبه الشيخ وقال:
— من أغلق الضوء؟
قال:
— أنا يا شيخنا، رأيتك نائمًا فأحببت أن ترتاح.
فقال له الشيخ، بما معناه:
— إذا أردت أن تؤذيني فأطفئ الضوء!
لم يكن الضوء عنده مجرد إنارة للغرفة، بل كان كأنه رفيق كتابٍ ينتظره حين يستيقظ، وإشارةً إلى أن الليل لا يزال يحمل فرصةً للقراءة والكتابة.
وكان كثيرًا ما ينتهي من مؤلفاته في ساعاتٍ متأخرة من الليل، عند الثانية أو الثالثة بعد منتصف الليل.
ومن المواقف اللافتة في حياته أن شخصًا يُعرف بأبي نذير زاره ذات يوم وقال له:
— يا شيخ محمد، رأيتك في رؤيا... رأيتك في حرم أبي الفضل العباس
، وكأن شخصًا نورانيًا جاء واحتضنك، لكنه كان بلا يدين.
استمع إليه الشيخ باقر القرشي، ثم قال:
— يا بُني، صدقت. في الليلة التي رأيتني فيها كنتُ قد أكملتُ كتابي عن العباس
، وأنهيت الكتابة فيه عند الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل.
كانت تلك اللحظة بالنسبة إلى الشيخ ثمرةً لساعات طويلة من البحث والتأمل والكتابة، وكأن الانتهاء من الكتاب لم يكن مجرد إغلاق لآخر صفحة، بل ختام رحلة عاش فيها مع شخصية أبي الفضل العباس
.
توفي الشيخ باقر القرشي رحمه الله في مدينة النجف بالعراق في السادس والعشرين من رجب سنة 1433 هـ، الموافق للسابع عشر من يونيو 2012 م، إثر مرضٍ عضال.
وشُيّع جثمانه في النجف الأشرف، ودُفن في «مكتبة الإمام الحسن العامة» التي كان قد أسسها، وأُقيمت له الفاتحة لمدة ثلاثة أيام في مسجد الحنانة.
وهكذا كانت حياة الشيخ باقر القرشي رحمه الله:
علمٌ وعمل، وقراءةٌ وكتابة، وجدٌّ لا يعرف الكلل، واحترامٌ عجيب للوقت.
لم يدخل جامعةً، لكنه صنع لنفسه جامعةً من الكتب.
لم يكن يملك مكتبًا فاخرًا، لكن وسادته الصغيرة شهدت ولادة مؤلفات كبيرة.
ولم يكن ينظر إلى الوقت بوصفه ساعاتٍ تمر، بل فرصًا ينبغي أن تتحول إلى علمٍ وأثر.
وهكذا تحولت ساعات عمره، الواحدة تلو الأخرى، إلى كتبٍ وموسوعاتٍ بقيت بعد رحيله، شاهدةً على رجلٍ آمن بأن هدر الوقت حرام، وأن أجمل ما يبقى من العمر هو الأثر.

















