آخر تحديث: 4 / 9 / 2026م - 12:56 ص

هل نحن نفهم الصورة؟!

عباس محمد العصفور

يشارك العالم أكثر من 14 مليار صورة يوميًا عبر منصات التواصل والمراسلة، رقم ضخم يعكس حجم حضور الصورة في حياتنا اليوم، لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا مهمًا:

هل نحن نفهم الصورة؟

في عصر التقنيات الذكية، وانتشار الكاميرات الرقمية في تفاصيل حياتنا اليومية، أصبح التقاط الصورة أسهل من أي وقت مضى، وأصبح نشرها لا يحتاج سوى ثوانٍ.

لكن وسط هذا الكم الهائل من الصور، هل نتوقف فعلًا لنفهم ما وراءها؟ ما رسالتها؟ ماذا تريد أن تقول؟ وما الهدف منها؟

أم أننا توجهنا بشكل كامل نحو التوثيق فقط، حتى أصبحت كثرة الصور سببًا في فقدان قيمة التوثيق نفسه؟

نحن اليوم نلتقط صورًا أكثر من أي وقت مضى، لكننا في المقابل نتذكر منها أقل.

الصورة التي كانت في الماضي حدثًا نحتفظ به ونعود إليه، أصبحت اليوم واحدة من آلاف الصور التي تمر أمام أعيننا خلال دقائق، ثم تختفي بين آلاف الملفات في ذاكرة الهاتف.

كثرة التوثيق لا تعني بالضرورة جودة التوثيق.

فحين نصور كل شيء، قد نفقد قدرتنا على تحديد ما يستحق أن يُحفظ.

التوثيق الحقيقي ليس أن تملأ هاتفك بآلاف الصور، وإنما أن تلتقط الصورة التي ستعود إليها بعد سنوات، فتجد فيها لحظة، أو شعورًا، أو قصة، أو ذكرى لا يمكن تكرارها.

وهنا تظهر قيمة الصورة.

الصورة ليست مجرد لقطة جميلة، وليست مجرد ألوان وإضاءة وزاوية مناسبة. الصورة لغة، تستطيع أن تقول ما قد تعجز الكلمات عن قوله.

قد تكون صورة لطفل، لكنها تحكي عن جيل كامل.

وقد تكون صورة لمكان، لكنها تختصر تاريخًا طويلًا.

وقد تكون صورة لشخص واحد، لكنها تحمل شعور مجتمع بأكمله.

لذلك، فإن المصور لا ينبغي أن يكون مجرد شخص يمتلك كاميرا، بل شخصًا يستطيع أن يرى قبل أن يصور.

أن يرى التفاصيل التي قد لا يراها الآخرون، وأن يفهم المشهد قبل أن يضغط زر الالتقاط.

إلى المصورين الجدد

قبل أن تقتني أحدث الكاميرات والعدسات، اقتنِ ثقافة الصورة.

شاهد الصور، اقرأ عنها، تعرف على تاريخها، وحاول أن تفهم لماذا بقيت بعض الصور في الذاكرة، بينما اختفت آلاف الصور الأخرى.

وقبل أن تختار زاويتك، اختر رسالتك.

اسأل نفسك قبل كل صورة:

ماذا أريد أن أقول؟

ثم ابحث عن أفضل طريقة تجعل الصورة تقول ذلك.

لا تجعل هدفك أن تلتقط صورة جميلة فقط، بل حاول أن تلتقط صورة لها معنى.

ففي زمن أصبح فيه التقاط الصورة أسهل من أي وقت مضى، أصبح التحدي الحقيقي ليس في أن تلتقط صورة…

بل في أن تلتقط صورة تستحق أن تُتذكر.

ربما لا نحتاج اليوم إلى المزيد من الصور بقدر ما نحتاج إلى المزيد من الوعي بالصورة.

لأن الصورة التي لا تحمل رسالة قد تكون مجرد لقطة عابرة…

أما الصورة التي تحمل معنى، فقد تصبح ذاكرة لا تموت.