آخر تحديث: 3 / 9 / 2026م - 1:28 ص

الوعي في زمن الابتلاء

محمد يوسف آل مال الله *

يمرّ الإنسان في حياته بمحطات لم يكن يتمنى الوصول إليها؛ مرضٌ يفاجئه، فقدٌ يؤلمه، خذلانٌ يربكه، أزمةٌ مالية تثقل كاهله، علاقةٌ تنتهي على غير ما أراد، أو موقفٌ يضعه أمام أسئلة كبيرة لا يجد لها إجابات سريعة. وفي خضم هذه الأحداث، قد يرفع الإنسان صوته في داخله قبل أن يرفعه بلسانه، ويسأل:

لماذا أنا؟

لماذا حدث هذا لي؟

ولماذا الآن؟

وهنا تحديدًا يظهر دور الوعي. فالوعي لا يمنع الألم، لكنّه يمنع الألم من أن يتحوّل إلى انهيار. ولا يلغي الابتلاء، لكنّه يساعد الإنسان على فهمه والتعامل معه. فالإنسان الواعي لا ينكر وجعه ولا يتظاهر بالقوة، لكنّه لا يسمح للمحنة بأن تقنعه بأنّ الحياة انتهت، أو أنّ الله قد تخلّى عنه، أو أنّ ما أصابه لا يمكن أن يكون وراءه معنى أو حكمة.

لقد وضع القرآن الكريم الإنسان أمام حقيقة لا يمكن تجاوزها: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ [البقرة: 155]. فالابتلاء ليس استثناءً في حياة الإنسان، بل هو جزء من طبيعة هذه الحياة. ولذلك لم يقل القرآن إنّ المؤمن لن يُبتلى، بل بشّر مَنْ يواجه الابتلاء بالصبر والثبات.

والوعي هنا يعيد ترتيب السؤال. فبدل أن يبقى الإنسان أسير سؤال:

لماذا حدث هذا لي؟

يبدأ في الانتقال إلى سؤال أكثر نضجًا:

ماذا يريد الله أن يعلّمني من خلال هذا؟

وكيف أخرج من هذه التجربة أكثر قوة ونضجًا وقربًا منه؟

وهذا لا يعني أنّ كل مصيبة نعرف حكمتها فورًا، ولا أنّ كل ألم يمكن تفسيره بسهولة. فقد يعيش الإنسان سنوات وهو لا يعرف لماذا مرّ بتجربة معيّنة. لكنّ الإيمان يمنحه يقينًا بأنّ الجهل بالحكمة لا يعني غياب الحكمة.

يقول الله تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ [البقرة: 216]، إنّها واحدة من أعظم قواعد الوعي في مواجهة الحياة: أنّ ما نراه نحن من زاوية محدودة، يراه الله بعلم كامل.

قد يظن الإنسان أنّ ما حدث له نهاية، بينما يكون في الحقيقة بداية جديدة. وقد يرى في إغلاق باب خسارة، بينما يكون ذلك الإغلاق حماية من طريق لم يكن يعرف نهايته. وقد يظن أنّ تأخر أمنية يعني الحرمان، بينما يكون التأخير إعدادًا لشيء أكبر.

من هنا يقول أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب في معنى عميق من معاني الرضا والثقة بالله: ”عَرَفْتُ اللهَ سُبْحَانَهُ بِفَسْخِ العَزَائِمِ، وَحَلِّ العُقُودِ، وَنَقْضِ الهِمَمِ“؛ فالإنسان قد يخطط، ويعزم، ويرسم طريقًا لحياته، ثم تأتي الأحداث لتغيّر كل شيء. والوعي لا يعني أن نرفض هذا التغيير دائمًا، بل أن نتعلم كيف نعيد بناء الطريق عندما يتغيّر المسار.

وفي روايات أهل البيت ، نجد رؤية عميقة للابتلاء لا تراه مجرد عقوبة أو شر مطلق. فقد روي عن الإمام الصادق : ”إنَّ اللهَ إذا أحبَّ عبدًا غَتَّهُ بالبلاءِ غَتًّا“، أي أنّ الابتلاء قد يكون في بعض الحالات بابًا من أبواب التربية والارتقاء والتمحيص، وليس دليلًا على أنّ الإنسان متروك أو منسي.

لكنّ الوعي الإيماني لا يعني أن نستسلم للمعاناة دون محاولة، أو أن نبرر كل ألم، أو أن نقول للإنسان المبتلى: ”اصبر فقط“، ثم نتركه وحيدًا. فالوعي الحقيقي يجمع بين الصبر والعمل، والتوكّل والأخذ بالأسباب، والرضا والسعي إلى التغيير.

فالذي يمرض عليه أن يتعالج، والذي يواجه مشكلة عليه أن يبحث عن الحل، والذي يتعرّض للظلم عليه أن يدافع عن حقه بالوسائل المشروعة، والذي يخطئ عليه أن يعترف بخطئه ويصلحه. فالتوكل ليس تعطيلًا للعقل، والصبر ليس استسلامًا للواقع.

ولعل واقعة الطف تقدّم لنا أعظم مدرسة في فهم الابتلاء. ففي كربلاء، لم يكن الإمام الحسين أمام محنة عابرة، بل أمام امتحان استثنائي بلغ أقصى درجات الألم: حصار، عطش، فقد الأحبة، استشهاد الأبناء والإخوة والأصحاب، ثم استشهاده . ومع ذلك، لم يتحوّل الابتلاء إلى انكسار في الوعي، ولم يتحوّل الألم إلى فقدان للبوصلة.

لقد كان الإمام الحسين يرى ما وراء اللحظة. وعندما واجه الموقف المصيري، لم يكن ينظر إلى كربلاء باعتبارها نهاية حياة، بل باعتبارها موقفًا يجب أن يُؤدّى فيه التكليف. ولهذا بقيت كلماته ومواقفه شاهدًا على أنّ الإنسان قد يخسر كل شيء في ظاهر الدنيا، لكنّه ينتصر في المعنى والقيمة والمبدأ.

وفي كربلاء أيضًا، تتجلى صورة أخرى من صور الوعي في شخصية السيدة زينب . لقد فقدت إخوتها وأبناء إخوتها وأبناءها، وشاهدت ما لا يحتمله قلب بشر، ثم وقفت بعد ذلك كلّه في الكوفة والشام موقفًا لا يشبه موقف إنسان مكسور، بل موقف إنسان يعرف رسالته. وحين قالت: ”ما رأيتُ إلا جميلًا“، فإنّ هذه العبارة لا تعني أنّها لم ترَ الدماء والقتل والمصائب، ولا أنّها كانت تنكر الألم، وإنّما تعكس مستوى عميقًا من الوعي الإيماني الذي يرى في قلب المأساة معنى الرسالة، وفي التضحية جمال الوفاء لله والحق.

وهنا يكمن الفرق بين مَنْ يعيش المصيبة بوعي، ومَنْ يعيشها بلا وعي. فالأول يقول: لقد حدث لي شيء مؤلم، فماذا أفعل الآن؟

والثاني يقول: لقد انتهت حياتي.

الأول يرى في المحنة فصلًا من حياته، والثاني يختصر حياته كلّها في محنته.

الأول يبحث عن المعنى، والثاني يبحث عن الشكوى.

الأول يتألم ثم ينهض، والثاني يتألم ثم يستسلم.

إنّ الوعي لا يطلب منّا ألّا نبكي، ولا يمنعنا من الحزن، ولا يجعلنا نعيش بقلوب من حجر. لقد بكى الإمام الحسين ، وبكت السيدة زينب ، وبكى أهل البيت . فالبكاء ليس ضد الصبر، والحزن ليس ضد الإيمان. إنّما المشكلة حين يتحوّل الحزن إلى يأس، وحين يتحوّل الألم إلى اعتراض دائم على الحياة، وحين يصبح الابتلاء سببًا لقطع الصلة بالله.

لذلك يقول الله تعالى على لسان النبي يعقوب : ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ [يوسف: 86]، فالشكوى ليست مذمومة إذا كانت إلى الله، لأنّها شكوى من العاجز إلى القادر، ومن الضعيف إلى القوي، ومن الحاير إلى العليم. أمّا أن يعيش الإنسان أسير الشكوى من الله، فذلك شيء آخر.

ومن أجمل ما نتعلمه من مدرسة أهل البيت أنّ الإنسان قد لا يملك اختيار كل ما يحدث له، لكنّه يملك إلى حد كبير اختيار موقفه مما يحدث له.

قد لا أستطيع منع المرض، لكنّني أستطيع أن أختار كيف أواجهه.

قد لا أستطيع إعادة مَنْ فقدتهم، لكنّني أستطيع أن أحفظ أثرهم.

قد لا أستطيع تغيير الماضي، لكنّني أستطيع أن أتعلّم منه.

قد لا أستطيع التحكّم في كل ما يحدث حولي، لكنّني أستطيع أن أتحكم في رد فعلي، وفي قراراتي، وفي علاقتي بالله. وهذا هو جوهر الوعي.

إنّ الوعي في زمن الابتلاء يجعل الإنسان يتوقف قليلًا قبل أن ينهار، ويسأل نفسه:

هل هذه المحنة تريد أن تكسرني، أم أنها تستطيع أن تعلّمني؟

هل أنا أمام نهاية، أم أمام بداية مختلفة؟

هل ما فقدته هو كل شيء، أم أنّ هناك أشياء كثيرة ما زالت بين يدي؟

فيأتي القرآن الكريم ليمنح القلب نافذة أخرى حين يقول: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا [الشرح: 5 - 6]، لم يقل: بعد العسر فقط، بل قال: مع العسر؛ وكأنّ اليسر قد يكون حاضرًا في قلب الأزمة نفسها، لكنّنا لا نراه لأنّ الحزن يحجب عنّا الرؤية.

ربّما كان هذا هو أحد أعظم دروس كربلاء: أنّ الإنسان لا يُقاس بما يحدث له فقط، بل بما يصنعه من موقف تجاه ما يحدث له. فقد تحوّلت أرض كربلاء من مكان للمأساة إلى مدرسة خالدة، والدم إلى رسالة، والتضحية إلى وعي، والمصيبة إلى مصدر إلهام للأجيال.

لذلك، حين تضيق بنا الحياة، لا ينبغي أن يكون سؤالنا الوحيد: لماذا أنا؟

بل علينا أن نضيف إليه أسئلة أكثر وعيًا:

ماذا يريد هذا الابتلاء أن يعلّمني؟

ما الذي ينبغي أن أراجعه في نفسي؟

ما القوة التي يمكن أن أكتسبها من هذه التجربة؟

كيف يمكن أن أخرج منها أقرب إلى الله، وأكثر نضجًا، وأعمق فهمًا للحياة؟

إنّ الإنسان الواعي لا يعيش وَهْمًا أنّ الحياة ستكون دائمًا سهلة، بل يدرك أنّ الطريق فيه صعود وهبوط، وفقد ولقاء، وانتصار وانكسار، وأنّ الابتلاء جزء من رحلة الإنسان نحو كماله.

قد يكون أعظم انتصار للإنسان في بعض المراحل ألّا يخرج من المحنة كما دخلها. أن يخرج منها أكثر صبرًا، أكثر حكمة، أكثر رحمة بالآخرين، أكثر معرفة بنفسه، وأكثر قربًا من الله. فليس كل ما يؤلمنا شرًا، وليس كل ما نفقده خسارة، وليس كل باب يُغلق في وجوهنا نهاية الطريق.

أحيانًا، تكون المحنة هي التي توقظ وعينا. وأحيانًا، يكون الألم هو الذي يعيد ترتيب أولوياتنا. وأحيانًا، يكون الابتلاء هو الطريق الذي نكتشف فيه حقيقتنا التي لم نكن نعرفها.

وهكذا يعلّمنا الوعي، وتعلّمنا كربلاء، أنّ الحياة لا تُقاس فقط بما نملك من أيام هادئة، بل بما نملك من ثبات حين تهب العواصف. فإذا جاء الابتلاء، فلنقل لأنفسنا: هذه ليست نهاية الحياة… بل مرحلة من مراحلها.

ولنقل كما قال الله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ [البقرة: 155 - 156]. فما دام الإنسان لله، وما دام إليه راجعًا، فإنّ كل محنة، مهما عظمت، تبقى محطة في طريق طويل… وقد يكون في نهايتها وعيٌ جديد، وقلبٌ أقوى، وروحٌ أكثر قربًا، ورسالةٌ لم يكن الإنسان ليكتشفها لولا الألم.