آخر تحديث: 1 / 9 / 2026م - 11:10 م

التسابق والتسارع في شهري محرم وصفر.. على ماذا؟

سلمان أحمد الجزيري

لا شك في أن شهري محرم وصفر من أعظم الشهور مكانةً وقدسيةً وحرمةً. وقد انتهت أيام المصيبة فيهما، وكان المؤمنون جميعًا يتسابقون إلى حضور المآتم والمشاركة فيها. ولكن هذا الحرص الكبير يضع أمامنا عدة أسئلة مهمة، وهي:

• هل الحضور للحصول على الثواب والأجر؟

• أم هو من أجل الحصول على المعلومة والاستفادة؟

• أم هو للحصول على بركة الطعام والوجبات؟

• أم هو بروتوكول اجتماعي لمقابلة الناس؟

• أم هو الوفاء الحقيقي بإحياء ذكر آل البيت ؟

قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ [الأنبياء: 90].

فإذا تأملنا مشاركة الناس وتعاطفهم خلال أيام الشهرين - وهو أمر طيب لا شك فيه - فإن ابتعاد بعضهم في سائر الشهور يدل على أن الأمر لدى الكثيرين عادة سنوية اعتادوها منذ الصغر، وليس من باب الخدمة والمحبة والولاء.

وفي حديث النبي ﷺ: «إنّ الله تعالى يُحبّ إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»، ويحتاج التأمل في هذا الحديث، في سياق المسألة الحسينية، إلى دراستها بصورة أعمق، ووضع النقاط على الحروف؛ من أجل تطويرها نحو الأفضل، وليس السير بها كل عام بصورة روتينية مملة، مما قد يتسبب في عزوف بعض أفراد الجيل الناشئ والشباب عمومًا.

ويقول الإمام علي : «فَاعِلُ الْخَيْرِ خَيْرٌ مِنْهُ، وَفَاعِلُ الشَّرِّ شَرٌّ مِنْهُ» [نهج البلاغة]. ومن الأمثلة على ذلك: الاستعداد النفسي والروحي للقراءة، وتقنين حجم الصرف المالي، وإعداد الكوادر المتخصصة التي يمكن أن تخدم المجتمع، وترتيب برامج توعوية وثقافية متنوعة، وحسن التصرف في الأموال التي تُنذر في مثل هذه المناسبات، وعدم التعصب لعائلة أو طائفة أو حزب معيّن.

كذلك ينبغي الوقوف على عدد من السلبيات الواضحة التي تتكرر أمامنا يوميًا ومعالجتها، مثل خروج البعض من أعمالهم، ووقوف السيارات بصورة خاطئة، والابتعاد عن البيت والعيال؛ حتى لا نقع في الحرج الديني والإشكال الشرعي.

وأيضًا، نحتاج إلى عدد من الإحصاءات الرسمية التي تعزز النهضة الحسينية؛ لنقف على أهم الإيجابيات والسلبيات. ولذلك ينبغي طرح استبانة يشارك فيها عدد كبير من الناس؛ للحصول على أفضل النتائج التي قد تسهم في معالجة الحالة وتوجيهها نحو الطريق الصحيح.

وعلينا أن نركز هنا، بالذات، على المسألة المادية؛ لأنها عصب الحياة، وعلى طريقة الصرف الصحيحة، بعيدًا عن الإسراف والتبذير، اللذين أرهقا كثيرًا من المجالس بحجة الإطعام والبركة، حتى أصبح بعض الناس لا يأكل في بيته.

ويجب علينا أن نجلس بجدية وصراحة، بعيدًا عن العواطف، وأن نسلط الضوء بوعي على سبل تطوير المسألة الحسينية، وعدم المكابرة؛ لنخرج بأفضل النتائج، وبخسائر أقل عامًا بعد عام. وقد يكون للخطباء دور بارز وتوجيه مهم في ذلك.

ولا شك في أن كثيرًا من المؤمنين يسعون ويتمنون تطوير المسألة والرقي بها نحو الأفضل؛ حتى لا تفقد جزءًا من بريقها. ولهذه المشكلة أسباب واضحة لا تخفى على الكثير من أصحاب العقول، وإنما تحتاج إلى أن تُطرح على طاولة النقاش، وأن تُوجد لها الحلول المناسبة.

وأهم تلك الأسباب والقضايا التي تحتاج إلى الدراسة:

1. الانشغال بوسائل التواصل واستخدام الأجهزة الذكية حتى في المأتم.

2. التطور المتسارع الذي يشهده العالم الآن، ومحاولة مجاراته في كل خطوة.

3. غياب النقد لطرح بعض الخطباء، رغم أن بعض ما يُطرح قد لا يناسب فئات من الجمهور، ولا سيما الشباب.

4. تنسيق أوقات القراءة؛ تلافيًا لأي ازدحام مروري.

5. الحد من احتكار المناصب الإدارية في المجالس، ولا سيما من قِبل كبار السن.

والخلاصة من طرح المسألة الحسينية أن علينا أن نعيد حساباتنا، ونرتب أفكارنا، ونسعى إلى إعداد جيل حسيني واعٍ يدرك حجم التضحيات التي قدمها الإمام الحسين وأبناؤه وأصحابه؛ لنتمكن من الاستفادة منها في ترسيخ النهضة الحسينية لدى الأجيال بالصورة السليمة، وبناء حياتنا الدنيوية والأخروية على المنهج الصحيح لآل البيت .

والسلام خير ختام.