حفظ ماء الوجه وجبر الخواطر
لقد وقعت عيني، وأنا أتصفح بعض المواقع، على قصص مشوقة مليئة بالدروس والمواعظ والعبر التي تدل على إنسانية الإنسان عندما يتجرد، بشعوره وإحساسه وعقليته، من طغيانه المادي وبخله وصدوده عن مساندة ومعاضدة بني جنسه الذين خابت بهم ظروفهم وأوقعتهم في حاجة ماسة إلى مساعدة الآخرين، ولكنهم ما زالوا يملكون الكرامة والعزة والحياء وحفظ ماء الوجه، وهي غايتهم الأسمى في الحياة، رغم كل العقبات والصعوبات التي يواجهونها.
وهناك ثلة من أهل الجود والعطاء يترجمون أفعالهم إلى واقع يصون كرامة السائل والمحتاج من المذلة والمهانة، وذلك بحكمة رصينة في فن التعامل والأسلوب الإيجابي، والهدف منه عدم التسبب في الإحراج وكسر الحواجز بين السائل والمسؤول، فيما يرجوه صاحب العوز.
وهذا ما تحكيه هذه الواقعة الأليمة، عندما جاء رجل ضاقت به الدنيا بؤسًا وفقرًا وضياعًا، وسمع، وهو في ظل هذه الظروف الطارئة، عن رجل حكيم من الأثرياء، لديه حلقة يدرّس فيها طلابه، فجاء ذلك المعوز يتخطى رقاب الحاضرين حتى وصل إلى الحكيم، وفي يده قارورة من الماء، وقال له: إني أريد أن أبيعك هذه القارورة، فبكم تشتريها؟
فسأله الحكيم: وأنت بكم تريد أن تبيعها؟ قال الرجل المعوز: بمائة درهم، ولكن الحكيم قال له: سأشتريها بمائة وخمسين درهمًا، فتم الاتفاق بينهما، وفي نفس الوقت أثارت هذه الواقعة استغراب الحاضرين، وأخذوا يتساءلون ويتهامسون: لماذا اشترى الحكيم قارورة الماء بهذا المبلغ، وبسعر مبالغ فيه؟
حتى إن أحد أبناء الحكيم أخذها وفحص القارورة جيدًا، ولم يجد فيها إلا ماءً عاديًا، فظن أن والده قد خُدع من قِبل ذلك الرجل، وأخبر أباه بما تحتويه هذه القارورة.
فقال له: يا بني، إن الرجل كان في أشد الحاجة إلى المال، فأراد أن يحفظ ماء وجهه من المسألة أمام الناس، فحفظت حياءه وكرامته من غير تجريح أو انتقاص من قدره.
هكذا تعلمنا هذه المواقف معنى الشهامة والكرم والبذل من غير أن نحرج الآخرين.
فعلًا، هذه قصة عظيمة ومؤثرة جدًا، وتلخص جوهر الإنسانية والذكاء العاطفي في تقديم العون؛ إنها تجسد المقولة الشهيرة: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء»، وتكشف عن أدب جم في العطاء يسمى في ديننا وثقافتنا ب«صدقة السر» أو «جبر الخواطر».
إليكم تحليلًا سريعًا للدروس والعبر التي قدمتها هذه الواقعة البليغة:
أبعاد الحكمة في القصة:
• حفظ ماء الوجه: الرجل المعوز لم يطلب المال مباشرة، بل قدم «سلعة» «رغم بساطتها» ليوحي بأنه يبيع ويشتري، وليس شحاذًا.
• فطنة المسؤول: الحكيم التقط الرسالة فورًا، وفهم أن القارورة مجرد ستار يحتمي خلفه كبرياء الرجل، فلم يخذله ولم يقلل من شأن بضاعته.
• الكرم الذكي: الحكيم لم يكتف بدفع السعر المطلوب «مائة درهم»، بل زاد عليه، فدفع «مائة وخمسين درهمًا»، ليُدخل السرور إلى قلب المحتاج ويسد حاجته.
• التربية بالقدوة: رد الحكيم على ابنه كان درسًا عمليًا في الحياة؛ علّمه أن القيمة ليست في المادة، أي الماء العادي، بل في المعنى، أي حفظ الكرامة.
والله الموفق.














