آخر تحديث: 30 / 8 / 2026م - 11:15 م

إشارات الجسد للطعام

ظاهر أحمد آل ظاهر *

الجوع والشهية والشبع تبدو هذه الكلمات الثلاث مفاهيم متقاربة لكنها ليست متطابقة وكل مفردة تمثل عملية مختلفة تؤثر بصورة مباشرة في سلوك الإنسان الغذائي واختياراته اليومية للطعام. يساعد فهمنا للفروق الدقيقة بين هذه الكلمات على تفسير علاقة مراجعي عيادة التغذية العلاجية مع الطعام كما يمثل أيضا أساسا مهما في بناء التدخلات الغذائية وجعلها أكثر فاعلية.

يظهر الجوع نتيجة تكامل مجموعة من الإشارات التي ترتبط بمرور وقت كاف على الوجبة السابقة وحالة الجهاز الهضمي ومدى توافر الطاقة في الجسم إلى جانب الإشارات العصبية والهرمونية التي تعكس حاجة الجسم إلى الطعام وتصل هذه الإشارات إلى الدماغ في الوقت نفسه فتتكون لدى الإنسان حاجة فسيولوجية في تناول الطعام.

ولا تكون شدة الجوع ثابتة عند جميع الأشخاص كما أنها قد تختلف لدى الشخص نفسه من يوم إلى آخر تبعا لنمط حياته ومستوى نشاطه وظروفه الصحية لذلك فإن الشعور بالجوع لا يمكن تفسيره دائما بعامل واحد أو بمقياس ثابت بل هو نتيجة تفاعل عدد من العوامل الداخلية التي تتغير بتغير الظروف المحيطة.

في حين تعد الشهية مفهوما أوسع من الجوع فهي تعبر عن الرغبة في تناول الطعام وهذه الرغبة قد ترافق الشعور بالجوع وقد تظهر من دونه فعلى سبيل المثال قد ينتهي الشخص من تناول وجبته ثم يرى نوعا من الحلوى التي يحبها فيرغب في تناولها رغم انخفاض حاجته الفسيولوجية المباشرة إلى الطعام!

كما تتأثر الشهية بعوامل كثيرة تتجاوز حاجة الجسم للطاقة منها رائحة الطعام ومظهره وتنوعه إضافة إلى العادات الغذائية والتجارب السابقة والبيئة التي يتناول فيها الشخص طعامه فقد تكون إشارة خارجية واحدة كافية لتحفيز الرغبة في الأكل حتى في غياب إشارات الجوع الحقيقية الصادرة من داخل الجسم.

ولهذا الفرق بين الجوع والشهية أهمية كبيرة عند أخصائي التغذية العلاجية فعندما يقول المراجع أنا جائع دائما لا يكفي التعامل مع هذه العبارة على أنها دليل مباشر على وجود حاجة مستمرة للطعام بل ينبغي فهم المقصود منها بصورة أدق هل يشعر المراجع بجوع فسيولوجي حقيقي أم أنه يعاني من رغبة متكررة في تناول الطعام؟ وهل تظهر هذه الرغبة في أوقات محددة؟ أو ترتبط بنوع معين من الأطعمة؟ الإجابة عن هذه الأسئلة قد تغير طريقة تعامل أخصائي التغذية العلاجية مع المشكلة بشكل جذري وتساعده على الوصول إلى الأسباب الفعلية التي تقف خلف السلوك الغذائي للمراجع.

أما الشبع فليس هو الإمتلاء فامتلاء المعدة أحد العوامل المهمة التي تسهم في إنهاء وجبة الطعام لكنه ليس العامل الوحيد المسؤول عن الشعور بالشبع. فقد تكون وجبتان متساويتين في السعرات الحرارية مختلفتين بدرجة كبيرة في قدرتهما على ملء المعدة وإحداث حالة الشبع.

كما أن هناك فرقا بين الشعور بالشبع الذي يؤدي إلى التوقف عن تناول الطعام في أثناء الوجبة وبين القدرة على المحافظة على الشبع لفترة مناسبة بين الوجبات فقد تكون وجبة ما كافية لجعل الشخص يتوقف عن الأكل في لحظتها لكنها لا تمنحه شبعا مستمرا فيعود للبحث عن الطعام بعد وقت قصير بينما قد تكون وجبة أخرى أكثر قدرة على المحافظة على الشبع لفترة أطول ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي توجيهه إلى المراجع ليس فقط هل تشعر بالشبع بعد تناول وجبتك؟ بل أيضا كم يستمر شعورك بالشبع بين الوجبات؟ فهذا السؤال يحمل قيمة عملية مهمة عند بناء الخطة الغذائية إذ أن التركيز على خفض السعرات الحرارية وحده مع إهمال تركيب الوجبات وقدرتها على تحقيق الشبع قد يؤدي إلى فشل الخطة الغذائية المقترحة ويجد المراجع نفسه أمام جوع متكرر ورغبة ملحة في تناول الطعام مما يزيد من صعوبة الالتزام بالتوصيات الغذائية

ومن هنا تتضح أهمية التمييز بين هذه المفاهيم الثلاثة فالجوع يعبر بصورة أساسية عن الحاجة الفسيولوجية للطعام بينما تمثل الشهية الرغبة في تناوله وقد تتأثر بعوامل داخلية وخارجية أما الشبع فيرتبط بالدرجة التي يشعر عندها الشخص بالاكتفاء وقدرته على الاستمرار دون الحاجة إلى تناول طعام آخر.

وأخيرا فإن الاستماع الدقيق لجسدنا يبدأ بالتمييز بين هذه الإشارات الثلاث فليس كل رغبة في الطعام تفسر جوعا حقيقيا وليس كل توقف عن الأكل يعني شبعا مستمرا وهذا الوعي البسيط قد يكون الخطوة الأولى نحو علاقة أكثر توازنا مع الطعام سواء كنا مراجعين في عيادة تغذية أو أشخاصا نحاول فهم سلوكنا الغذائي اليومي.

اختصاصي تغذية علاجية