آخر تحديث: 30 / 8 / 2026م - 11:15 م

أوديسا

هناء العوامي *

أكثر ما فاجأني في الفيلم هو اختيار المخرج لوبيتا نينونقو لكي تلعب دور هيلينا، زوجة الملك مينلاوس، ملك إسبرطة. بعد تأمل وجيز، فهمت وجهة نظر نولان تمامًا.

فمن الصعب أن تقتبس أحداث فيلم ملحمي تريد له أن يكون تاريخيًّا كلاسيكيًّا وتبهر الجمهور، خاصة المثقف، وخاصة الجيل الذي عاصر وشاهد فيلم براد بيت العتيد «تروي - طروادة» دون أن تقدّم وجهة نظر جديدة وثورية في أساطير ملحمة هوميروس.

أنا عن نفسي، لو أنني ألقيت نظرة سريعة على أسماء الممثلين قبل مشاهدة العرض لتوقعت أن تكون آن هاثواي هي التي تلعب دور أجمل امرأة في العالم، كخيار آمن وربما بديهي!

أعتقد أن فكرة المخرج لكي يأتينا عمله متميزًا عن هذه الملحمة التاريخية هي عدم التركيز على الحرب والقتال، بل على علاقات البشر مع البشر ومع الآلهة، مع مشاهد غرائبية وملحمية تذكرنا بمغامرات السندباد. خاصة وأن معظم الأعمال المشابهة السابقة ركزت على الإلياذة حيث الحرب والتشويق، وعلى خدعة حصان طروادة الذي ذهب مثلًا.

تركيزه على الغرائبيات والسحر والحوارات جعلني أشعر بأن هذا العمل هو من نوع الأفلام التي تصلح للمشاهدة قبل النوم، ربما لأن تلك المشاهد تشبه بعض الشيء ما يراه النائم في وَسنه.

وبما أن «الأوديسة» بطبيعتها هي ملحمة نجاة وعودة وليست ملحمة حصار عسكري مباشر مثل «الإلياذة»، فقد اختار نولان أن يعكس ثقل الحرب وتبعاتها المزمنة ومشاعر الإنهاك على بطلها، جاعلًا من الصراع الداخلي والبعد الإنساني محورًا أثقل وزنًا من مجرد تتابع معارك السيوف والأكشن المعتاد.

وذلك بالإضافة إلى ما أشرنا له آنفًا من كسر النمط الكلاسيكي المعتاد الذي رسخه فيلم «تروي» بتقديم الجمال الأوروبي النمطي كخيار أول وبديهي حين تم اختيار الممثلة الألمانية ديان كروقر للعب دور هيلينا.

أما هذا الاختيار فهو يمنح الشخصية حضورًا مختلفًا وعمقًا إنسانيًّا وثقافيًّا يعيد تعريف الأسطورة بعيدًا عن قوالب هوليوود المعتادة. بل بعيدًا عن تصور هوميروس نفسه.

اختيار امرأة سوداء لدور أجمل امرأة في العالم يكسر الصورة النمطية التي حفظناها من الإلياذة عن الجمال الاستثنائي فوق البشري الذي يريد به الشاعر أن يقدم نمطًا للجمال غير مألوف وغير معتاد يوافق أجواء الأساطير، والذي تبناه جورج مارتن بدوره عند وصف سلالة التارقيريان بأن لهم شعرًا فضيًّا وعيونًا بنفسجية.

والمفارقة الساخرة الأخرى التي أضفاها كريستوفر نولان على قصة هوميروس هي أنه جعل كليمنسترا زوجة أقامننون الذي كان يفضل الجواري وأسيرات الحرب عليها الأخت التوأم لهيلينا زوجة مينلاوس والتي قامت حرب طروادة من أجلها كما رأينا في فيلم طروادة «تروي». بينما في الملحمة الأصلية، هيلين هي ابنة زيوس، لكن أختها لم تكن كذلك.

هذه المفارقة الدرامية اللاذعة تعيد صياغة المأساة من جذورها، وكأنها تقول إن الجمال ليس مجرد خطوط مرسومة على الوجه، بل هو صدى لنظرة الرائي وسلطة الرمز. إذا كانت هيلينا، بملامحها، قد قُدّرت لتكون «الذريعة الكونية» التي تنهار على أقدامها الإمبراطوريات - سواء غيرةً أو دفاعًا عن هيبة الملك وصناع القرار - فإن توأمها المفترض تعيش في الجانب المظلم من المرآة حيث لا تنفع الملامح ذاتها إن غابت هالة التقديس أو انكسرت شروط الهيمنة.

هذا التباين الحاد بين مصير الجسد الواحد يكشف عن عمق نفسي هائل؛ فكليمنسترا التي تجد نفسها محاصرة بالقهر، وتبعات التضحيات العائلية، وغطرسة السلطة، لا تتحرك من فراغ؛ بل يتحول انتقالها إلى العشيق وانتقامها الدموي إلى فعل تحطيم لتلك المنظومة التي تقيس المرأة فقط بقدر ما تخدم مصالح الرجال ومفاهيمهم عن شرفهم العسكري. وبهذا المعنى، تصبح المعالجة الفنية عاكسة لتباين العدسات التي ينظر بها العالم إلى الوجه نفسه: وجه يُقدّس ويُحرق الأخضر واليابس من أجله، ووجه يُهمَل ويُقهر فيتحول إلى نار انتقامية تأخذ ثأرها بشراسة.

بقي أن أقول أن الفيلم لم يكن بالنسبة لي أسطوريا إلى هذا الحد، وأنني أفضل بين النجوم ”إنترستيلر“ وفيلم أوبنهايمر للمخرج نفسه.


هامش:

أيا مُنبئ السوءِ الذي لم يَفُه لنا
بخيرٍ ولكن ظلَّ بالشَّرِ مُنذِرا

بِقَولٍ وَفِعلٍ لم تَقُم قَطُّ حِكمة
وها أنت للأسرارِ جئتَ مُفَسِّرا

تقول إله النُّبلِ قد شَدَّ صَائِلاً
لأنّيَ لم أرضَ الفِداء المُقَرَّرا

ولم تدرِ أنّي جانحٌ لبقائها
وقد فَضَلَت زوجي كَليتمنسترا

فليست بحُسن القَدّ والخَدِّ دونَها
ولا بِسمُوِّ العَقلِ والفِعلِ مَخْبَرا

ومهما يَكُنْ مِن ذا فأُخلي سَبيلها
إذا كانَ خيراً للجنودِ لِتَظفَرا

أودُّ زَوال السُّخطِ عَنهُم وإنَّمَا
أرومُ جَزاءً أرتضيه فأصبرا

فيبدو لدى الإغريقِ أنّيَ لم أَكُنْ
بلا سَلَبٍ كي لا أُهانَ وأُصغَرا


من كتاب: «إلياذة هوميروس»
تعريب سليمان البستاني
الجزء الأول، صفحة 214، منشورات دار المعارف.

كاتبة سعودية تميل في أعمالها إلى المزج بين البعد الإنساني والتساؤلات الفكرية. تنوّعت كتاباتها بين الخيال العلمي، والرواية التاريخية، والنصوص الاجتماعية، إضافة إلى قصص تناولت القضية الفلسطينية، ومجموعة شعرية.

تتسم أعمالها بمراقبة الإنسان في لحظاته الحرجة، وبالأسئلة المتعلقة بالهوية، والذاكرة، والمصير.

وبالاهتمام بالمساحات الرمادية بين الواقع والخيال.

رابط شراء رواية ”أصداء من زمن آخر“ من موقع أثر: https://darathar.net/NAeeVby