عَهْدٌ قَبْلَ الطِّين
في مدح سيّد الكونين ورسول الإنسانيّة محمد ﷺ
يَا فَاتِنَ الدُّنْيَا، وَفِيكَ تَجَرُّدِي
خُلْدٌ غَدَا حُبُّ النَّبِيِّ تَخَلُّدِي
قَدْ أَبْصَرَتْ عَيْنَايَ نَهْجَكَ وَالهُدَى
فَغَدَا اشْتِيَاقِيَ فِيكَ نَهْجَ تَوَلُّدِي
مَنْ أَوْدَعَ الأَشْوَاقَ فِيَّ كَأَنَّنِي
يَوْمًا لَقِيتُكَ فِي قَدِيمِ تَوَحُّدِي؟
أَتُرَى القُلُوبَ رَأَتْكَ قَبْلَ عُيُونِنَا
فَأَتَيْتُ أَحْمِلُ مِنْ هَوَاكَ تَوَدُّدِي؟
أَمْ كُنْتَ فِي أَرْوَاحِنَا مُذْ أَوَّلٍ
نُورًا، وَمِنْ ذَاكَ الضِّيَاءِ تَوَقُّدِي؟
عَجَبًا! وَلَا عَجَبٌ أَحِنُّ كَأَنَّنِي
عِشْتُ المَدِينَةَ فِي زَمَانِكَ، سَيِّدِي
مَا غِبْتَ عَنِّي، كُلُّ شَيْءٍ فِي دَمِي
يَلْقَاكَ فِي إِيمَانِهِ وَتَعَهُّدِي
يَا رُوحُ، إِنِّي كُلَّمَا نَادَيْتُ: يَا
خَيْرَ الوَرَى، فَاضَ الحَنِينُ بِمَوْرِدِي
وَإِذَا جَرَى ذِكْرُ النَّبِيِّ عَلَى فَمِي
هَبَّتْ صَلَاتِيَ فِي لَهِيبِ تَسَجُّدِي
وَتَفَتَّحَتْ فِي الرُّوحِ نَافِذَةُ الهُدَى
حَتَّى أَرَاكَ بِكُلِّ نَبْضٍ مُرْشِدِي
فَأَظَلُّ أَبْحَثُ فِي حَنَايَايَ الَّتِي
نَبَضَتْ بِحُبِّكَ، فِي وَلَائِكَ تَحْتَدِي
أَتُرَى عَرَفْتُكَ قَبْلَ بَدْئِيَ رِحْلَتِي
فَغَدَا حَنِينِيَ شَاهِدًا لِتَوَاجُدِي؟
أَمْ أَنَّ حُبَّكَ ضَمَّنِي مُذْ نَشْأَتِي
فَنَمَا مَعِي، وَغَدَا رَفِيقَ تَصَعُّدِي؟
أَأَغَارُ مِنْ رَمْلِ المَدِينَةِ؟ إِنَّهُ
نَالَ اقْتِرَابَكَ، وَاسْتَبَاحَ تَحَسُّدِي
وَأَغَارُ مِنْ دَرْبٍ تَلَقَّى خُطْوَةً
مِنْكَ، فَصَارَ عَلَى الزَّمَانِ بِمَسْجِدِي
وَأَغَارُ مِنْ لَيْلٍ رَآكَ تَهَجُّدًا
فَحَوَى خُشُوعَكَ فِي جَلَالِ المَشْهَدِ
وَأَغَارُ مِنْ فَجْرٍ تَفَتَّحَ فَارْتَوَى
مِنْ وَجْهِكَ المَيْمُونِ نَبْضُ تَجَدُّدِي
وَأَغَارُ مِنْ كَفٍّ لَقَتْكَ فَسَلَّمَتْ
وَتَمَسَّكَتْ بِكَ لَحْظَةً لَمْ أَشْهَدِ
وَأَغَارُ مِنْ طِفْلٍ حَمَلْتَ، فَرُبَّمَا
عَبِثَتْ أَنَامِلُهُ بِثَوْبٍ أَحْمَدِي
يَا حَظَّهُ! مَا كَانَ يَعْرِفُ أَنَّهُ
فِي رَاحَتَيْكَ تَرَبَّعَ فِي السُّؤْدُدِ
لَوْ كُنْتُ ذَاكَ الطِّفْلَ، لَاخْتَصَرَ الهَوَى
عُمْرِي بِلَحْظَةِ ضَمِّكَ المُتَفَرِّدِ
وَلَوِ اسْتَطَعْتُ اخْتَرْتُ تُرْبًا مَرَّةً
فِي دَرْبِكَ الهَادِي، وَدُونَ تَرَدُّدِ
لَا أَبْتَغِي إِلَّا مُرُورَ خُطَاكَ فِي
ذَاكَ التُّرَابِ، فَذَاكَ غَايَةُ مَقْصِدِي
مَا قِيمَةُ الأَعْمَارِ إِنْ عَاشَ الفَتَى
عُمْرًا وَلَمْ يَظْفَرْ هَوَاكَ وَيَهْتَدِ؟
وَإِذَا أَحَبَّكَ خَافِقِي فَمَحَبَّتِي
لِذَوِيكَ مِنْ نَبْضِ المَحَبَّةِ فِي غَدِي
مَا كَانَ لِي طَلَبٌ سِوَى عَقْدِ الوَلَا
فِيكُمْ، وَحَيْدَرُ بِالوِلَايَةِ مُعَضِّدِي
فَالوَحْيُ جَاءَكَ، وَابْنُ عَمِّكَ حَيْدَرٌ
بَابٌ لِعِلْمِكَ، فِيهِ عَقْدُ تَوَطُّدِي
حَسْبِي وَلَاءٌ لَا يُسَاوِمُ نَبْضُهُ
فِيكُمْ، وَفِيهِ عَلَى اليَقِينِ تَعَبُّدِي
أَنْتُمْ طَرِيقِي، لَا أُفَرِّقُ نَبْضَكُمْ
فَبِكُمْ أَقَمْتُ عَلَى هُدًى بِتَوَحُّدِي
حَسْبِي رِضَا حَيْدَرَ عَنْ وُدِّي، فَإِنْ
رَضِيَ الوَصِيُّ رَأَى النَّبِيُّ تَرَفُّدِي
وَأُرِيدُ أَنْ أَبْدِيَ الَّذِي فِي مُهْجَتِي
فَيَضِيقُ عَنْهُ بَيَانُ لَفْظِي المُجْهِدِ
وَيَخُونُنِي لَفْظِي إِذَا حَاوَلْتُهُ
فَيَبُوحُ دَمْعِيَ عَنْ خَفِيِّ تَوَجُّدِي
وَيَقُومُ دَمْعِيَ فِي مَقَامِ قَصِيدَتِي
فَيَبُوحُ عَنِّي بِالَّذِي لَمْ أَسْرُدِ
مَا كُلُّ مَا فِي القَلْبِ يَحْمِلُهُ فَمِي
بَعْضُ المَحَبَّةِ فَوْقَ طَوْقِ المُنْشِدِ
وَأَمُدُّ كَفِّي: يَا مُحَمَّدُ، رَاجِيًا
يَوْمَ الشَّفَاعَةِ، وَهْوَ أَكْرَمُ مَوْعِدِ
فَإِذَا أَتَتْ كَفُّ النَّبِيِّ لِكَفِّيَ ال
عَطْشَى، أَفَاقَ مِنَ الظَّمَاءِ تَوَرُّدِي
هَذِي يَدِي، يَا سَيِّدِي، وَوَرَاءَهَا
عُمْرٌ أَتَاكَ بِكُلِّ نَبْضٍ مُجْهَدِ
مَدَّتْ إِلَيْكَ رَجَاءَهَا مُذْ أَبْصَرَتْ
فِي ذِكْرِ يَاسِينَ الهُدَاةِ تَرَشُّدِي
إِنِّي أُحِبُّكَ، مُنْتَهَايَ، وَطَامِعٌ
بِالقُرْبِ مِنْكَ بِجَنَّةِ المُتَخَلِّدِ
وَبِآلِ بَيْتِكَ أَنْ أَكُونَ مُجَاوِرًا
فِي جَنَّةٍ، وَهُمُ نَعِيمُ تَخَلُّدِي
حُبِّي لَكَ المَعْنَى الَّذِي حَارَتْ بِهِ
رُوحِي، وَضَاقَ عَنِ البَيَانِ تَعَدُّدِي
شَيْءٌ أَتَى قَبْلَ اخْتِيَارِيَ كُلِّهِ
وَغَدَا بِأَعْمَاقِي أَصِيلَ المَحْتِدِ
فَكَأَنَّ رُوحِيَ قَبْلَ أَنْ تَلْقَى الثَّرَى
مَرَّتْ عَلَيْكَ بِلَحْظَةٍ لَمْ أَشْهَدِ
وَكَأَنَّ هَذَا العِشْقَ لَيْسَ بِبِدْأَةٍ
بَلْ عَهْدُ نُورٍ سَابِقٌ لِتَوَاجُدِي
يَا فَاتِنَ الدُّنْيَا، وَذَاكَ نَعِيمُهَا
أَنْ يَسْتَقِيمَ عَلَى هُدَاكَ تَمَجُّدِي
مَا أَبْصَرَتْكَ العَيْنُ، لَكِنْ أَبْصَرَتْ
آثَارَ نَهْجِكَ فِي دَمِي وَتَمَدُّدِي
مَا بَالُ قَلْبِيَ كُلَّمَا ذُكِرَ اسْمُكَ ال
مَيْمُونُ عَاشَ كَأَنَّهُ فِي مَوْلِدِ؟
مَا بَالُهُ يَشْتَاقُ عَهْدًا لَمْ يَعِشْ
أَيَّامَهُ، وَيَحِنُّ حَنَّةَ مُفْرَدِ؟
لَا بُدَّ أَنَّ الحُبَّ أَقْدَمُ مِنْ خُطَى
عُمْرِي، وَأَعْمَقُ مِنْ حُدُودِ تَعَهُّدِي
وَكَأَنَّ رُوحِيَ، قَبْلَ أَوَّلِ خَفْقَةٍ
نَادَتْ: مُحَمَّدُ، فَاسْتَفَاقَ تَوَدُّدِي
إِنْ لَمْ أَكُنْ أَبْصَرْتُ وَجْهَكَ مَرَّةً
فَلَقَدْ رَأَيْتُكَ فِي هُدَايَ وَمَقْصِدِي
وَرَأَيْتُ خُطْوَكَ فِي مَكَارِمِ أُمَّةٍ
وَرَأَيْتُ نُورَكَ فِي ضَمِيرِ المُهْتَدِي
فَكَأَنَّ هَذَا الشَّوْقَ لَيْسَ حِكَايَةً
بَدَأَتْ مَعِي، بَلْ قَبْلَ عُمْرِيَ مُبْتَدِي
إِذْ كَانَ فِي طِينِي، وَقَبْلَ وِلَادَتِي
عَهْدٌ يُنَادِي فِي دَمِي مِنْ أَحْمَدِ
وَكَأَنَّ نَبْضِيَ، قَبْلَ أَنْ أَلْقَى المَدَى
طِينًا، وَفِيهِ مِنَ النَّبِيِّ مُحَمَّدِ
مبارك عليكم مولد نبي الأمة محمد ﷺ وميلاد النورِ الذي أضاءَ للإنسانية دربَها.














