مثبطون لا يدركون أثرهم
تزداد في مجتمعاتنا ظاهرة التثبيط الاجتماعي، وقد لا نلتفت أحيانًا إلى حجم تأثيرها في الأفراد وفي مسيرة العمل المجتمعي بشكل عام. والتثبيط في اللغة هو التعويق والتقليل من العزيمة، أما في الاصطلاح فيمكن وصفه بأنه كل قول أو فعل يؤدي إلى إضعاف الحماس، أو التقليل من العزيمة، أو دفع الفرد أو الجماعة إلى التراجع عن عمل أو مبادرة.
في كل مجتمع هناك من يعمل ويبادر ويتحمل المسؤولية، وهناك من يختار أن يعيش بعيدًا عن المشاركة في أي عمل اجتماعي أو تطوعي أو تنموي. وليس حديثنا هنا عن الفئة الثانية لمجرد أنها اختارت عدم المشاركة، فالإنسان قد تكون لديه ظروفه أو قناعاته أو أولوياته الخاصة. لكن المشكلة تبدأ عندما لا يكتفي البعض بعدم العمل، بل يتحول إلى عائق أمام من يعمل.
ولو قلنا دعونا من الذين لا يعملون ولا نلتفت إليهم، فقد لا يكون الأمر بهذه البساطة؛ لأن العاملين أنفسهم قد يخسرون جزءًا من طاقتهم وحماسهم، ليس لأنهم لم يعملوا بالشكل الصحيح، ولا لأن مشاريعهم فشلت، بل لأن هناك عوائق بشرية واجتماعية توضع أمامهم باستمرار. وهنا يصبح المثبط جزءًا من المشكلة، لأنه لا يقف خارج دائرة العمل فقط، وإنما يدخل إليها من باب التشكيك أو التقليل أو التجاهل أو إحباط الآخرين.
والمجتمع مليء بفرص العمل والعطاء بأشكال مختلفة؛ فهناك العمل الاجتماعي والتطوعي، وهناك العمل التجاري، والعمل التنموي، والفكري، والثقافي، وغيرها من المجالات التي يحتاج إليها أي مجتمع يريد أن يتقدم. وخلف كثير من هذه الأعمال أشخاص بادروا وتحملوا المسؤولية وقدموا جزءًا من وقتهم وفكرهم وجهدهم، وربما أموالهم أيضًا، من أجل فكرة آمنوا بها أو مشروع رأوا فيه منفعة للآخرين.
ومع ذلك، لا يجد الإنسان العامل دائمًا من يقف معه أو يشجعه. وأحيانًا يكون التثبيط مؤلمًا أكثر عندما يأتي من الدائرة الأقرب إليه. فقد يكون الإنسان ناجحًا ومبادرًا ومعروفًا بعطائه خارج محيطه القريب، بينما يجد من بعض ذوي القربى تجاهلًا لما يقدمه، سواء كان هذا التجاهل مقصودًا أو غير مقصود. وقد يحدث الأمر نفسه بين الأصدقاء؛ فيرى الصديق نجاح صديقه وعمله واجتهاده، لكنه لا يمنحه حتى كلمة تقدير، بينما يكون حاضرًا بقوة عند أول تعثر أو خطأ.
ولا يعني ذلك أن الإنسان العامل يحتاج إلى المديح المستمر، أو أن كل من لم يمدحه أصبح مثبطًا، فهذه نظرة غير عادلة أيضًا. لكن هناك فرقًا بين عدم المديح وبين التقليل من العمل، وفرقًا بين النقد الذي يساعد الإنسان على التطور وبين الكلام الذي لا يحمل في داخله سوى إحباطه وإضعاف عزيمته.
وقد يكون أحد أسباب هذا السلوك هو عدم فهم ما يقوم به الآخر. يقول أمير المؤمنين علي
: «الناس أعداء ما جهلوا» كما ورد في نهج البلاغة. وهذه الحكمة تفتح لنا بابًا واسعًا لفهم جانب من التثبيط الاجتماعي؛ فالإنسان قد يعادي فكرة لأنه لم يفهمها، ويرفض مشروعًا لأنه لم يعرف تفاصيله، ويقلل من تجربة جديدة لأنه اعتاد على نمط مختلف عنها.
ولهذا نجد أحيانًا من يحكم على المبادرة قبل أن تبدأ، وعلى المشروع قبل أن تظهر نتائجه، وعلى الإنسان قبل أن يعرف حجم ما بذله. فإذا تصدى شخص لعمل خيري قيل له إنك لن تستطيع الاستمرار، وإذا بدأ مشروعًا تجاريًا بدأ البعض بتعداد احتمالات الفشل، وإذا طرح فكرة ثقافية أو فكرية انشغل البعض بالبحث عما يعيبها بدل محاولة فهمها. وكأن أول ما نستقبله من الجديد هو السؤال: لماذا لن ينجح؟ بدل أن نسأل: كيف نساعده على النجاح؟
ومن صور التثبيط التي أخذت شكلًا جديدًا في عصرنا التقليل من قيمة الإنتاج الفكري والإبداعي. فقد يطرح كاتب فكرة، أو يصدر مؤلفًا، أو يقدم المبدع عملًا اجتهد فيه طويلًا، ثم يجد من يسارع إلى التشكيك في أن هذا العمل من صنعه أصلًا، أو ينسبه مباشرة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي دون دليل أو معرفة بحقيقة ما قام به. وهنا لا يكون النقد موجهًا إلى الفكرة أو جودة العمل، بل يتحول إلى تشكيك في قدرة الإنسان نفسه وإبداعه. ومع تكرار هذا النوع من الكلام قد يشعر المبدع أن جهده لا يُرى، وأن كل ما يقدمه سيقابل بالتقليل والاتهام، فيتراجع عن الاستمرار، أو يفقد جزءًا من حماسه، بينما كان الأولى أن نناقش ما قدمه ونحكم على قيمته، لا أن نشكك في صاحبه قبل أن نقرأ ما كتب.
والأكثر خطورة أن التثبيط حين يتكرر قد يتحول إلى ثقافة اجتماعية. عندها يصبح صاحب المبادرة مطالبًا ليس فقط بإنجاح عمله، بل بمقاومة الأصوات التي تحاول إقناعه منذ البداية بأن ما يقوم به لا قيمة له. وهنا نخسر طاقات كان يمكن أن تقدم الكثير، ونخسر أفكارًا ربما لم تحصل أصلًا على الفرصة الكافية لكي ترى النور.
ومقاومة المثبطين لا تعني الدخول معهم في جدال مستمر، ولا محاولة إقناع كل من يقلل من العمل أو يشكك فيه، بل أن يستمر الإنسان فيما يؤمن به ما دام يرى في عمله خيرًا وفائدة. فالنجاح نفسه قد يكون أقوى رد على التثبيط، والاستمرار في العمل أكثر تأثيرًا من الانشغال بمن يحاول إيقافه. ومن يعمل في المجتمع عليه أن يدرك منذ البداية أنه لن يحظى بتأييد الجميع، وأن بعض الطرق لا تفتحها كلمات التشجيع، بل يفتحها الإصرار والثقة بما يقدمه.
وفي المقابل، علينا أن نسأل أنفسنا قبل أن نحكم على أي مبادرة أو نقلل من أي إنسان يعمل: هل نحن ننتقد لنصحح، أم نثبط دون أن نشعر؟ فالمجتمعات لا تتقدم بكثرة العاملين فقط، بل بالبيئة التي تحيط بهم أيضًا. وإذا لم تكن قادرًا على أن تكون جزءًا من عمل نافع، فلا تكن سببًا في توقف من اختار أن يعمل، فربما كلمة منك تدفعه إلى الأمام، وربما كلمة أخرى تطفئ حماسًا احتاج سنوات حتى يولد.
وفي النهاية، نجاح المجتمعات لا تصنعه المبادرات وحدها، بل تصنعه أيضًا الثقافة التي تحتضنها وتحترم أصحابها. وكلما قل التثبيط، اتسعت مساحة العمل، وظهرت طاقات ربما كانت تنتظر فقط فرصة كي تبدأ.














