آخر تحديث: 29 / 8 / 2026م - 11:27 م

هابيل وقابيل والإدارة

المهندس أمير الصالح *

قيل إن التاريخ البشري، بكل تنوعه ومراكز القوى فيه وصراعاته وتقلباته، لا يعتمد في قراءة أحداثه المادية بالدنيا على معايير التقوى والصلاح والإيمان بالله، وإنما يعتمد في قراءته نظرية الصراع من أجل البقاء، والبقاء للأقوى، حيث معايير تغليب المصالح وصراع القوة واقتسام منابع الموارد وتقسيم مناطق النفوذ وغلبة القوي، حتى لو كان خبيثًا. ولهذا فإن تلكم القراءة تعطي تفسيرًا هو الأقرب إلى الواقع في قراءة الأحداث البعيدة في التاريخ، فضلًا عن القريبة منها.

آية وتفسير

في علم التفسير القرآني، يذكر علماء الدين سبب النزول لكل آية قرآنية وشأن النزول والتشريعات والتطبيقات المتعلقة بالآيات القرآنية. وقد يمتد فكر القارئ للآيات القرآنية تأملًا وتدبرًا للبحث في نطاق ومساحات توظيف تلكم الآيات في الحياة العملية للإنسان بناء على الزمن الحاضر واستشراف المستقبل.

الآية القرآنية التالية لدى الأغلب من أتباع المدارس الفكرية هي محصورة في القبول والرفض. ولكنها، بالتدبر، تتحدث عن معيار قوي في إضفاء الشرعية من عدمها: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [المائدة: 27].

القبول الإلهي «القبول الشرعي»:

تقبّل الله قربان هابيل؛ لأنه مبني على التقوى، وليس الرياء والتفاخر والمباهاة والرياء والسمعة.

القبول في عالم اليوم، حتى في ساحة الانتخابات في بعض الأمم الديمقراطية في العالم الأول، يتم عبر القبول بالأمر الواقع «حتى لو تم فرضه بالقوة والإكراه للبعض والرياء والنفاق والخداع والتدليس وحملات الإعلام المبهرجة والوعود الوردية الكاذبة وشراء الذمم ودفع الرشاوى».

تمرد قابيل على أوامر الله، وطغى حسده لأخيه حتى قتل أخاه بالقوة؛ لأنه أراد أن يفرض نفسه دون أي تقوى وأي طهارة أو تزكية للنفس.

الآليات المعمول بها

في عالم تتويج الأشخاص بمقاعد قيادية في أي شركة مساهمة مفتوحة/ مغلقة أو حتى إدارة مجالس بلديات أو غرف تجارية أو أعلى أو أقل، هناك نماذج مختلفة في اعتماد الآليات المتوافق عليها، ومنها:

1 - التصويت الترجيحي «نصف الأصوات + 1» أي 50% + 1

2 - التصويت الكامل، 100%

3 - الشورى للتعيين

4 - التعيين الرسمي/التعيين بالنص

في الماضي بعض المناصب والمقاعد بالمؤسسات الدولية وحتى مقاعد إدارة بعض الجمعيات الخيرية أو مجالس إدارة النوادي الرياضية أو مجالس إدارة داخل شركات مساهمة عامة وغيرها، لا يتم اعتماد أي نوع من أنواع الشرعية للمنصب تحت أي مسمى إلا بتوافق طبقًا لهيكلة وآليات محددة مسبقًا! أما في عالم اليوم فقد طغى نموذج وفكر قابيل وفرعون في بعض الشركات وتشكل بقوالب كثيرة. فأخذ أتباع قابيل يصولون ويجولون كيفما يريدون في إدارة بعض الشركات، متخذين من قول فرعون كما ورد في كتاب الله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى [غافر: 29]. وها نحن رأينا ونرى ما آلت إليه إدارة الأمر الواقع من تفتت وضياع وتشرذم وتشتت وإهدار للموارد المالية في بعض الشركات المساهمة الكبرى حول العالم؛ ورأينا أيضًا عبر سجل التاريخ، رغم وجود شركات متخصصة عالمية ومحلية كمدقق مالي قانوني، ومحاسبين، وحوكمة، ومراقبة وعقد اجتماعات عمومية!

طلب حماية

السؤال: إلى متى يعاني صغار المستثمرين من تلاعب قابيل وأتباعه في الشركات المساهمة المفتوحة والمغلقة. من يحمي استثمارات صغار المستثمرين من الكادحين والذين وضعوا كل مدخراتهم داخل أرض وطنهم إيمانًا بأن الأمور أفضل من أي استثمار خارجي؟ فإذا بمحافظهم المالية يستنزفها من استأمنوهم عليها.

نداء خفي

في جوف الليل، كم شخصًا تعتقدون يكرر قراءة الآية الكريمة ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [الأنبياء: 83]، طالبًا من الله أن يربط على قلوبهم وينجيهم من ظلم بعض أتباع قابيل ممن استباحوا مدخرات الناس وأهدروا كرامتهم المالية وأدخلوهم المستشفيات وسلبوا الراحة منهم. وقد اضطر بعض الضحايا للرجوع لسوق العمل بعد سن الخامسة والستين!