السيد الشعلة وأثر العلم
أشرف العلوم وأرفعها هو علم الدين، حيث شرف العلم بالانتساب إلى المعارف الإلهية، وذلك لتعلق العلوم الدينية بالله تعالى، وبه حياة القلوب، وأساس قوام صحة عبادة الإنسان التي هي وسيلة نجاحه بمسيرته الدنيوية والأخروية.
فالأصل أن الوجوب على الجميع أن يتعلموا الدين حتى يقوا أنفسهم من المزالق، إلا أنه فرض كفاية ”إذا قام به البعض سقط عن الباقين“ وهو شرف عظيم أن ينتسب الإنسان إلى العلوم الدينية فيقال عنه طالب علم.
ومن المعلوم أن طلب العلم حث عليه الشرع وحببه وشجع عليه؛ كما في الرواية عن النبي ﷺ ”من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً إلى الجنة“، و”إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم“، وهو ميراث الأنبياء، كما أنه رفعة لأن الله قال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ .
والعلوم الدينية لها أثر عميق ومبارك على شخصية الطالب، حيث تغرس فيه مكارم الأخلاق وتهذيب السلوك وتنير البصيرة؛ ليصبح عنصراً فعالاً لنفسه ومجتمعه، فطلب العلم ليس مجرد تحصيل معلومات تضاف إلى الذاكرة؛ بل تربية للنفس وتزكية للقوب وخشية من الله وهي عين التقوى.

وهي السيرة العملية لسيدنا أبي جمال رحمه الله، فقد كان ممن انتهج علوم أهل البيت
منذ صغر سنه، فأعطاها كل حياته المباركة ليصل إلى ما وصل إليه من سيرة قل نظيرها بين أقرانه، فهو الذي جمع بين المعارف الإلهية والسلوك العملي، بحيث أصبح مصداقاً للعالم الذي إذا نظرت إليه ذكرك بالآخرة.
فقد تحمل أعباء التبليغ والتدريس وخدمة المنبر الحسيني سنين متطاولة متنقلاً بين القطيف والأحساء لخدمة مجالس أبي عبدالله الحسين
؛ والتي تحمل الرسالة الكبيرة في نشر معارف الآل سلام الله عليهم.
فقد كان رحمه الله مدركاً أن مسؤوليته لم تقتصر على النجاح الفردي فحسب بل تمتد لتشمل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والموعظة الحسنة والدعوة إلى الخير، بأخلاقه قبل لسانه، فإنه رحمه الله يشهد له القاصي والداني بأنه بلور هذا العلم وحوله لأداة مؤثرة في إعداد الأجيال الواعية عبر العلاقات الممتدة مع جميع أطياف المجتمع على اختلاف توجهاتهم.
إن السيرة الحافلة للسيد مهدي رحمه الله تعالى كانت مشرقة من خلال تحليه بالأخلاق العملية؛ فرحابة صدره وسعة أفقه وأخلاقه العالية جعلت منه قدوة حسنة بين أقرانه ومن يعرفونه، فهو المهتم بالعلاقات الاجتماعية بشكل واضح فتراه في أفراح وأتراح المؤمنين.
ومن سيرته العملية المشهود له بها بره لوالديه، فرغم انشغاله بطلب العلم إلا أن ذلك لم يؤخره في إظهار البر بهما، كما كان تواصله مع أسرته وأهل بيته فهو الذي يتفقد أحوالهم سائلاً عن الصغير قبل الكبير، وصلة الأرحام لا يوفق لها أحد إلا من تشرب بالمعارف الدينية وحولها لسلوك عملي.
فالسيد رحمه الله من أهل الخير والصلاح ولم يكن له هم في هذه الحياة إلا التزود بالتقوى لأنها اللباس الحقيقي للمؤمن فضلاً عن طالب العلم؛ وخير شاهد على ذلك عدم الاهتمام بمظاهر الدنيا الفانية من لباس ومسكن وغيرها، فحياته البسيطة كاشفة عن عدم تعلقه بالدنيا.
ومن الأمور التي تميزه رحمه الله ارتباطه الوثيق بأهل البيت
ولا سيما بجدته الزهراء وظلامتها
، وخير شاهد على ذلك مجالسه الحسينية والتي تتميز بعدم الإطالة مع الثمرات العلمية والعملية.
تميزت خطابته بالروح الشفافة والخطابة الروحية، فقد كانت مجالسه فيها من النوادر والنصائح التي تتلمس فيها السلوك العملي لسيرة أهل البيت عليهم، وربما كان له نمط خاص في الطرح.
وأما بصيرته النافذة، فالمؤمن ينظر بعين الله؛ فلقد التقيت يوم رحيل السيد بالأخ المؤمن مهدي خليف أبو صالح وكنت اتجاذب معه الحديث فأسر إليّ بأمر أذهلني ولا غرابة لهذا السيد أن يحصل ذلك، فقال أبو صالح حين كنت أغسل المرحوم السيد عدنان قبل يومين أشار السيد مهدي له أن أعتني بي، وانا على المغتسل، فأجبته بالدعاء أن يطول عمره، وقلت له أنا المريض يا سيدنا أسألكم الدعاء.
فسيدنا المهدي عاش حميداً ورحل سعيداً، وخلف أرثاً وسلوكاً عملياً للمؤمنين عامة وطلاب العلوم الدينية خاصة، أسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ويحشره مع أجداده الطاهرين ويخلف على أهله بالخلف الصالح، ويعوضنا بعالم يسد مكانه، ويلهم ذويه ومحبيه الصبر والسلوان.














