آخر تحديث: 26 / 8 / 2026م - 11:34 م

من الاستهلاك إلى الامتنان

ياسين آل خليل

سنين من الركض، أمضيتها في مطاردة أهداف حسبت أن بلوغها سيمنحك ذلك الشعور العميق بالرضا، ودون أن تسأل نفسك عن وجهتها..! بيتًا أجمل، دخلًا أكبر، سيارة أحدث، سفرًا أكثر، ومكانة اجتماعية أرفع. المشكلة لم تكن في الحصول على هذه الأشياء، فهي مطالب مشروعة من منافع الحياة ومتعها، الإشكالية في الوعد الخفي الذي علقته عليها.. وهو أن تكون سعيدا حين تصل إليها. لبّ الفكرة، أنه عندما وصلت إلى كثير منها، اكتشفت أن السعادة حضرت لحظة، لكنها لم تُقم طويلًا..!

لعل أكثر ما يستحق التأمل أن الإنسان يستطيع أن يحوّل أمنيات الأمس إلى أشياء عادية اليوم. ما كنت تدعو الله أن يرزقك إياه، قد يصبح بعد سنوات جزءًا من المشهد الذي لا تكاد تراه. بيت كان حلمًا، صحة لم تكن تضمن بقاءها، أبناء كانوا أمنية، ورزق كان ينتظرك، وفي مرحلة ما قد تتحول جميعها بفعل الاعتياد إلى خلفية صامتة للحياة. هنا تكمن إحدى مفارقات النفس البشرية.. نحن لا نفقد النعمة دائمًا، بل قد نفقد القدرة على رؤيتها.

جاء عالم الاستهلاك ليُعَرّف هذه الثغرة جيدًا. فهو لا يبيعنا الأشياء فقط، بل يوقظ فينا الإحساس بأن ما لدينا غير كافٍ. كل جديد يجعل الموجود قديمًا، وكل صورة لحياة الآخرين تفتح بابًا جديدًا للمقارنة، وكل رفاهية نعتادها تتحول سريعًا من امتياز إلى ضرورة. هكذا يتسع الخارج بينما يظل الداخل يطلب المزيد. قد يمتلك الإنسان أكثر مما امتلك في أي وقت مضى، مع ذلك يشعر بأنه لم يصل بعد.

الأشد خفاء أن الاستهلاك لا يتعلق بالشراء وحده، فقد نستهلك التجارب والصور والأخبار والسفر والطعام والترفيه وحتى إعجاب الآخرين. ننتقل من شيء إلى آخر خوفًا من الفراغ، وكأن الهدوء أصبح شيئًا ينبغي الهروب منه. لذلك قد يكون السؤال الأهم.. كم أحتاج لكي أشعر أنني بخير؟ فكلما اشترطنا المزيد لنرضى، ظلّ الرضا بعيدًا عنا.

هنا يأتي الامتنان لا بوصفه عبارة جميلة نرددها، بل باعتباره تصحيحًا لطريقة النظر إلى الحياة. فالامتنان لا يضيف شيئًا إلى ما نملك، لكنه يعيد إلينا القدرة على رؤية القيمة الحقيقية للأشياء. حين تشرب الماء وأنت تستحضر نعمة العافية، حين تدخل بيتك وتراه مأوى لا مجرد عقار، حين تجلس إلى من تحب وتدرك أن وجودهم ليس مضمونًا إلى الأبد، فإن الأشياء نفسها لم تتغير، الذي تغير هو أنت وطريقة رؤيتك لها. لذلك قد يكون الفرق بين إنسان غني يشعر بالفقر، وآخر أقل منه مالًا يشعر بالوفرة، هو الطريقة التي ينظر بها كل منهما إلى ما بين يديه.

الانتقال من الاستهلاك إلى الامتنان لا يعني أن نتخلى عن الطموح أو نتوقف عن تحسين حياتنا. فالزهد في الحياة ليس إهمالها، والرضا ليس استسلامًا، والقناعة لا تعني قتل الطموح. تستطيع أن تبني بيتًا أفضل، وتزيد دخلك، وتسافر، وتنجح، وتستمتع بما أباحه الله لك، لكن دون أن ينتابك نفس الشعور في كل مرة.. بأن سعادتك لن تكتمل حتى تحصل على الشيء التالي. هنا يصبح الإنسان قانعا بما يمتلك من أشياء بدلا من أن تصبح وفرة الأشياء مدعاة لشعوره بأن شيئا ما ينقصه فيسلب راحته.

ربما نحتاج، كلما تقدم بنا العمر، إلى مراجعة مفهومنا للثراء نفسه. قد نكتشف أن بعض أغلى ما نملك لا يُشترى أصلًا.. صباح نستيقظ فيه بلا ألم، قلب لا يحمل حقدًا، بيت تسكنه المودة، شخص تستطيع الاتصال به حين تضيق بك الدنيا، وقت نملكه لأنفسنا، نوم هادئ، ضمير مستريح، وقدرة على الصلاة بخشوع، ولحظة نجلس فيها بلا خوف مما سيأتي. عندها تتغير قائمة الثروات، ليكتشف الإنسان إنه كان يعد ممتلكاته ونسى أن يعد نعمَه.

ربما آن الأوان أن نتوقف قليلًا عن الجري، لا لأن الطريق وصل إلى نهايته، ولا لأن الطموح لم يعد مرغوبًا، وإنما لنتأكد أننا لم نعد ننفق أعمارنا في مطاردة أشياء لا تستطيع أن تمنحنا ما نطلبه منها. ليس المقصود بالضرورة أن تمتلك أقل، بل أن تكون ممتنًا وإن قلّ ما تحتاج، وتنتبه أكثر لما لديك. عندها يحدث التحول الحقيقي.. قلب ممتن يلهج على الدوام بالشكر والثناء ويكثر من قول «الحمد لله على ما أعطاني ربي» في السراء والضراء. ربما كانت تلك هي السكينة التي ظللنا نبحث عنها بعيدًا، بينما كان بابها مفتوحا طوال الوقت ينتظر منا قرار الدخول.