آخر تحديث: 26 / 8 / 2026م - 11:34 م

تجربتي في المطبخ

المهندس أمير الصالح *

أول تجربة عملية لي في المطبخ

عندما كنت طفلًا صغيرًا، كنت أشاهد والدتي «أسبغ الله عليها ثياب الصحة والعافية» وهي تُعد الطعام وتطبخه لنا. ولم أُعِر أي اهتمام لكسب معارف وعلوم ومبادئ فنون الطبخ، لأنني حينذاك كنت مستهلكًا نهائيًا للوجبات. وكبرت، وكنت كثير الحضور لمجالس والدي، حيث يجتمع عدد جيد من الرجال. وطرقت مسامعي عدة مرات جملة تتضمن ازدراء ولوج الرجل النبيل للمطابخ. وكانت تلكم الجملة يرددها الأغلب في أوساطنا الاجتماعية. وبالفعل دخلت الجامعة وتخرجت منها والتحقت بالعمل في عدة شركات، ومنها العمل بمناطق نائية، إلا أنني لم أفقه إلا إعداد شراب الشاي وسلق البيض وإعداد شطيرة جبن بالمربى! تجاوز عمري ستين عامًا، وبفضل الفضول المعرفي المتجذر بداخلي، أخذت أبحث عن أصل الجملة التي سمعتها أكثر من مرة في صغري عن وجوب إعراض الرجال عن المطبخ. فوجدت أن تلكم الجملة هي جملة شهيرة منسوبة للفيلسوف الصيني الشهير كونفوشيوس «Confucius»، ونص الجملة: «الرجل الشريف المستقيم يبتعد عن المسلخ والمطبخ، ولا يسمح بوجود السكاكين على مائدته».

امتثالًا لتلكم الجملة حرمت نفسي من خوض تجارب المطبخ والطبخ وإعداد الطعام بنفسي. إلى أن فرضت الظروف نفسها لمتابعة أحد الأبناء في رحلته بالتحصيل العلمي بإحدى الدول الغربية، عليّ، فاتخذت سكنًا بنظام استوديو لشخص واحد، شاملًا المطبخ والصالة المدمجة بغرفة النوم ودورة مياه مستقلة. ومع تضخم الأسعار وحروب التعريفات الجمركية التي دارت وتدور بين الدول الغربية فيما بينها «أمريكا - كندا/ أمريكا - أوروبا… إلخ»، حيث كنت أقطن يومذاك، اضطررت لإعداد الطعام بيدي. وكانت تلك هي بداية تجربتي الأولى الحقيقية بالمطبخ.

تجاربي ما قبل الطبخ

كنت كثير السفر والترحال، وبلغت الذروة عندما كنت في عمر 34 سنة تقريبًا. وأتيحت لي الفرصة لدخول مطاعم عدة حول العالم في غداء/عشاء عمل أيام تمثيلي لشركات، أو خلال تنقلي وسفري مع الأسرة، أو خلال بحثي عن علاج صحي لوعكات أُصبت بها. هنا سأشارك القراء ببعض الأمور للإثراء المعرفي.

مطاعم الأقليات في دول المهجر

أغلب مواطني أي دولة شرق أوسطية، إنهم لم ولن يشعروا بوجود مطاعم وبقالات الأقليات الأجنبية في بلادهم إلا إذا سلط الإعلام عليها أو أوردت وكالات الأنباء المحلية/العالمية خبرًا مميزًا أو خبرًا سيئًا عنها!! ولكن نفس مواطني تلكم الدول الشرق أوسطية، يبذلون جهودًا جبارة لتعيين وتحديد مطاعم تقدم وجبات بلادهم أو ما اعتادوا على أكله من وجبات غذائية إذا هم سافروا للسياحة أو طلبًا للرزق أو تم ابتعاثهم للدراسة أو انتدابهم للعمل أو إذا اتخذوا قرارًا بالاستقرار بدول أجنبية.

أنشطة الجاليات في دول المستعمِر القديم

بغض النظر عن سبب وجودك في أي دولة، فعند زيارتك للكثير من المدن الفرنسية والبريطانية والإفرنجية، قد تشتاق لأكل أكلات مشابهة لما اعتدت عليه في بلادك. وإن لم تجد أكلات، على سبيل المثال، خليجية، فإنك تبدأ بالبحث للأقرب إلى معدتك فالأقرب، كطعام المطبخ المغربي ثم الجزائري ثم اللبناني ثم التركي. وهي المطابخ الأقرب استئناسًا إلى معدة الأغلب من مواطني دول الخليج بالخارج. وبالفعل عندما تبحث في محركات البحث في العالم الرقمي مثل جوجل وجوجل ماب أو تطبيق تيك توك عن الأطعمة المألوفة لك، فقد تتفاجأ بعدد المطاعم اللبنانية والجزائرية والمغربية والتركية وحتى اليمنية الكثيرة والمتناثرة في عدة مدن كبرى فرنسية/بريطانية/إسبانية/هولندية/بلجيكية/سويسرية «باريس، جنيف، برشلونة، أمستردام، لاهاي، مرسيليا، مونتبليه، مدريد، النورماندي، ليدن، خنت… إلخ». وهذا الأمر قد يحفز البعض من رواد الأعمال الجريئين للبحث عن الجدوى الاقتصادية لمثل هذه المشاريع التجارية متوسطة التكاليف في مواطن دول الاغتراب العربي. فيبحث عن تعداد السكان من الجاليات العربية بالمدن المستهدفة بالمهجر الغربي. وهنا يكتشف البعض حقيقة جديدة بالنسبة له، وهي أن معظم الدول المستعمرة سابقًا من الدولة الفرنسية «مثلًا» أضحت اليوم، وبعدد ليس بالقليل من أبنائها، مواطنين أو مهاجرين أو طلاب جامعات أو طلاب رزق فيها!!

الأزمات الاقتصادية الخانقة في البلاد الأم لأولئك المهاجرين أو اللاجئين، حتى بعد تحرر بلدانهم من الاستعمار، ما زالت تكافح ويكافح جل سكانها الفقر والجوع والغلاء والبطالة وسوء الإدارة وانعدام تكافؤ الفرص واختفاء الخدمات المرموقة وشح السلع. فجعلت البعض من أولئك يؤمون وجههم شطرَ من كان يومًا ما خصمهم اللدود والعنوان الأول لكل ما حلّ بمجتمعهم من متاعب!! يا سبحان الله.

والأمر لا يقف في فرنسا، بل حتى المقاطعات الفرنسية داخل الدول الأنجلوسكسونية في دول أخرى. وقد يُذهل السائح أو الزائر بعدد المطاعم والمخابز والمتاجر الغذائية المتناثرة للمغاربة والجزائريين واللبنانيين، وحديثًا السوريين.

كيف تفسر وجود مطاعم الأتراك والعراقيين في دول معينة

بعض الرعايا لبعض الدول، لا يمكن أن يخطر ببالك وجودهم هناك. إلا أن ظروفًا استثنائية متداخلة ومتنوعة حدثت في فترة ما وأنتجت وجود خليط فسيفسائي غريب وعجيب، ومن ذلك وجود نادل مطعم تونسي بمقهى شاطئ كوباكبانا بمدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، أو مطعم صيدا بمدينة إيغواسو الحدودية بين البرازيل والأرجنتين، أو مطعم فلافل لجزائري بمجمع تجاري بمدينة كيب تاون الجنوب أفريقية، أو فرنشايز سلسلة مطاعم أمير/باشا/بستان اللبنانية بكندا، أو سلسلة مطاعم طماطة Tomato بمدينة جوهانسبرج بدولة جنوب أفريقيا، أو سلسلة مطاعم القرية اليمنية ببرلين الألمانية، أو سلسلة مطاعم حضرموت بمدينة غوانزو الصينية، أو… أو… إلخ. وهذا الأمر يحتاج لدراسات معمقة من قبل طلاب العلوم الاجتماعية «Social Sciences» وطلاب الاقتصاد النانوي «Nanoeconomics».

المطبخ الفرنسي والمطابخ الشرق أوسطية

شخصيًا لم أتخيل يومًا أن أطبخ أو أتعلم بعض فنون الطبخ في حياتي، لوجود من يقوم بالطبخ لي طوال مراحل حياتي، أمي أولًا وحاليًا زوجتي العزيزة. وأرسل رسالة شكر وعرفان لهن من صميم قلبي، وأدعو لهن بالصحة والعافية والبركة وحج بيت الله الحرام. إلا أن الظروف بعد مشيئة الله أوجدتني لفترة معتد بها بعيدًا عن أهل بيتي، فتعلمت الطبخ وأنا في غربة. حاولت أن أقتبس أفكارًا من المطبخ الإنجليزي، إلا أنه بالنسبة لي مطبخ فاشل لأنه لا يجيد استخدام البهارات باستثناء الملح والفلفل الأسود. وحاولت أن أتعلم من المطبخ الإيطالي ووجدت أن جل صنوف أطباقه نشويات، ولا تناسب مرضى السكري، كما هي حالي. ووجدت أن صلب أفكار الأطباق الإيطالية تدور حول الطحين ومعجون الطماطم «بيتزا/معكرونة/… إلخ»!! وعليه صرفت النظر عن المطبخ الإيطالي. ووجدت أن جل أصناف الطعام الأمريكي معتمدة على الهامبرجر واللحوم البقرية والسجق؛ فاقتبست بعض أطباقه.

نظرت للمطبخ الفرنسي لأقتبس منه إعداد بعض الأطباق لنفسي، ولكون معظم تجهيزات إعداد أي طبق أكل فرنسي متوفر في السوبرماركت القريب من سكني، فإني أخذت ألقي نظرة على مقاطع من منصة يوتيوب. إلا أنه لم يَرُقْ لي ذلك في كل جوانبه، لكون بعض أطباق الأكل الفرنسية تدخل في مكوناتها أشياء محرمة كالنبيذ ولحم الخنزير. واقتبست بعض الأفكار لإعداد أطباق السلمون والسلطات والساندويتشات المميزة. وتجولت في الفضاء الرقمي للاطلاع على المطبخ الصيني والمطبخ الهندي والفلبيني والإندونيسي، إلا أنني أدركت مبكرًا أنني لا أميل للطعام والمطبخ الصيني. وأدركت أن متوسط مستوى الثقافة الصحية والنظافة بالمطبخ الهندي غير مشجع، فضلًا عن المبالغة في كمية البهارات المستخدمة عند إعداد الكاري وأخواته من الأطباق.

المطابخ الشرق أوسطية

حقيقة انتشار وتناثر رواد الأعمال للأعمال البسيطة والمتوسطة من المسلمين في دول القارة الأوروبية والقارة الأمريكية الشمالية، أوجد بدائل غذائية وسلسلة إمدادات غذائية تناسب ذائقة الإنسان العربي والمسلم، ونجحت في إرضاء معدته. بالمجمل، مطاعم ومطابخ مواطني الشرق الأوسط بالغرب الروماني والشرق الآسيوي تمتاز بتنوع أصنافها وجميل مذاقها واعتدال استخدام البهارات بها.

ولعلي شخصيًا عندما أسافر، أدرج المطبخ اللبناني والتركي والعراقي في القمة، ثم يليه المطبخ الفلسطيني والمغربي واليمني والسوري والجزائري.

دورات اقتصادية متذبذبة وأخطاء إدارية تؤدي إلى إغلاق المطاعم

في آخر زيارة من جهتي، وبعد رفع الحظر الصحي لوباء كوفيد، وانطلاق الناس للحياة من جديد، زرت عدة دول ورأيت انقلابًا في الصورة. هناك دول انتعشت فيها موجة انطلاق المطاعم الجديدة، وهناك دول انكمشت بها المطاعم حد إفلاس بعضها وخروجه من السوق نهائيًا!!

وأتذكر أنني كتبت مقالة بالإنجليزية وأرسلتها واحتفظت بها إلى أن ترى نور النشر، ومطلعها:

Small Businesses and Their Viability

Written by: Ameer AlSaleh

The failure of 7,000 restaurants across Canada in 2025 was widely reported in most Canadian economic news outlets in early January 2026. Additionally, the same academic source predicts that 4,000 restaurants will go bankrupt or close by the end of 2026. The subject academic study was published by Dalhousie University «1» «2». Some economic experts discussed the restaurant closure rate and rang a bell. Several economic analysts discussed this issue in some national newspapers, television programs, and social media platforms like the X platform «formerly Twitter» ; and the subsequent impacts on investment, small business sustainability, work permit regulations, government subsidies, workforce retention, job security, business incubators, and employment opportunities for new immigrant investors. From my point of view, that report has raised a big question mark about the effectiveness of traditional feasibility studies.

مطعمك المفضل في الغربة

بحمد الله، هناك أطعمة ومطاعم تفتح النفس في دولتي الحبيبة، ولدي قائمة عديدة بالمطاعم المميزة والنظيفة والموثوقة مصادر لحومها، حيث طعامها الطيب المذاق، وموظفوها أصحاب ذوق ورقي وأخلاق، والخدمة مميزة. ولكوني أحب الهدوء والنظافة والطعام الزكيّ، فإنني في العادة أنتخب مطعمًا بعد القيام بزيارات متعددة لعدة مطاعم، ثم أنتخب أحدها وأذهب إليه. المطعم الذي أرتاح له، أطلق حملة علاقات عامة مع مالك/مدير/نوادل المطعم لكي أضمن أعلى نسبة من الراحة عند زياراتي للمطعم. بلغ أن الراحة التي أشعر بها ببعض المطاعم حفزتني على الجلوس وكتابة بعض المقالات دون أي تشويش. ومن أمثلة تلكم المقالات، على سبيل المثال لا الحصر:


ما شي

في إحدى الرحلات الخارجية، ذهبت لتناول وجبة، وجددت لقائي بصديق عربي مقيم في تلك الدولة الأجنبية، ويمتلك مطعمًا كبيرًا، ذا مذاق رائع، مرتبًا ونظيفًا. وبعد الترحيب والمصافحة الحارة بيننا، تجاذبنا أطراف الأحاديث. وتعرضنا أثناء الكلام لمفهوم ودلالات بعض العبارات عند بعض المجتمعات العربية. وروى لي صديقي العزيز، بأن أحد أقاربه، في بداية التسعينيات، ارتحل وأخوه وأسرته من بلدهم إلى دولة اليمن طلبًا للرزق، وفتحا مطعمًا عائليًا لتقديم الوجبات واللحوم المشوية والأسماك طبقًا لمذاق وطنه «العراق».

ولاحظ أنه عندما يدخل الزبائن اليمنيون للمطعم يجلسون، كالزبائن الآخرين من الدول العربية الأخرى، ثم يطلبون الطلبات، وهو أو أخوه اعتادا أن يقولا كلمة «ماشي» بمعنى «حسنًا/نعم» عند أخذ طلبات الزبون اليمني. وعند ذهابه أو ذهاب أخيه لتجهيز الطلبات وجلب الطعام للزبون اليمني، يُفاجأ باختفاء الزبائن اليمنيين من قاعة المطعم دون أي جلبة أو اعتذار! وتكرر الحدث معه ومع أخيه عدة أيام، ولم يكونا على علم بالسبب.

وذات يوم أصر صاحب المطعم على أن يعرف سبب هذا السلوك وتصحيح الوضع. وذلك بأن وقف أخوه عند بوابة المطعم، واستوقف أي شخص يمني طلب طلبه وهمَّ بالانصراف قبل وصول الطلبات، وبالتالي تجنب دفع قيمة الفاتورة. وتفاجؤوا بعد إطلاق عملية الرصد تلك بأن بعض اليمنيين انصرفوا أو هموا بالانصراف لأنهم كلما طلبوا طلبًا، كان النادل «مالك المطعم أو أخوه» يقولان لهم جملة «ما شي». وعند أهل اليمن كلمة «ماشي» تعني «غير موجود»! ففهم الزبائن اليمنيون بأن المطعم لا تتوفر لديه الطلبات المراد أكلها، لنفادها أو عدم توفرها، فينسحبون بصمت مطبق.

هنا اكتشف صاحب المطعم متأخرًا بأن عليه إجادة معاني الجمل لدى المستهلك حفاظًا على زبائنه، كإجادته لإعداد الطعام.

هذه التجربة تبرز أهمية تعلم الاختلافات في الدلالات لبعض الجمل من إقليم إلى إقليم آخر بين أبناء اللغة ذاتها. ولك أن تتخيل مستوى نجاح من يجيد لغات متعددة.

يقال إن هناك مقولة إنجليزية قديمة: «More languages you learn, more friends you gain, more enemies you avoid»، ومفادها: «تعلم لغات أكثر، تكسب أصدقاء أكثر، وتتجنب أعداء أكثر». ويقال أيضًا:

1 - «امتلاك لغة أخرى هو امتلاك روح ثانية».

2 - «غيّر لغتك تتغير أفكارك».

3 - «تعلم لغة أخرى ليس مجرد تعلم كلمات مختلفة للأشياء نفسها، بل تعلم طريقة أخرى للتفكير فيها».

4 - «معرفة اللغات هي المدخل إلى الحكمة».

اللغة العربية في دول المهجر

في ظل تزايد عدد المهاجرين من الشمال الأفريقي والشرق الأوسط، ولا سيما لبنان والمغرب والجزائر وتونس ومصر وفلسطين وسوريا والأردن والعراق واليمن والسودان وتشاد، إلى القارة الأوروبية وقارة أمريكا الشمالية وبعض دول شرق آسيا، يجد الزائر أو السائح أو المبتعث من الشرق العربي «الخليج» انتشارًا للغة الدارجة في الوسط المغاربي؛ وتلك اللغة الدارجة «المحلية» تحول أحيانًا كثيرة دون فهم واضح عند التواصل بين الإنسان العربي من الخليج وأبناء أوطان المغرب العربي.

وعليه، أقترح إطلاق حملات توطين اللغة العربية السائدة وإحياء اللغة الفصحى، بدلًا من اللغة الدارجة، بين أبناء المهاجرين العرب، لترسيخ التواصل وإنجاحه فيما بينهم.


جلدك وظفرك.. فمك ويداك


لو تعرفوا

تحت زخات المطر، حيث الشمس محجوبة والغيوم متراكمة، كنت جالسًا في مطعم عربي يحمل اسم «بوليفارد فلافل»، وهو حديث الافتتاح. وكنت أرى من خلال زجاج المطعم مبنى بنك تورونتو التاريخي «بنك TD Waterhouse»، وجزءًا من ناطحات السحاب، وجزءًا من مبنى جامعة كونكورديا الرئيسي. وكنت أشاهد أيضًا المارة، وتجول طلاب متعددي الجنسيات من منسوبي جامعة كونكورديا/مكغيل، وبعض السياح المارة في شارع سانت كاثرين، وهم مهرعون لمداخل المحلات والمطاعم للاحتماء من رشقات المطر المفاجئة. وشق الهدوء صوت شجي، حين كنت أتناول بعض المأكولات اللبنانية والفلسطينية اللذيذة وأحتسي كوب الشاهي بالنعناع، فأسمع صوت مغنية بكلمات معبرة أثارت أشجان الحنين لديّ نحو أسرتي ووطني ومسقط رأسي، حيث والداي وأهلي وأحبتي. نعم، أنا سائح، ولكن استشعرت أحوال المهاجرين والمغتربين والمنتدبين العرب في تلكم المدينة عندما يطول بهم المقام بعيدًا عن أحبتهم.

لو تعرفوا - 1

حجبت سمعي عن الغناء منذ عقود لهبوط وتدني مستوى الأغاني بشرقها وغربها؛ إلا أنني إذا اضطررت للجلوس في أماكن عامة أو سيارة نقل عام أو باص رحلات أو مطعم أو بهو فندق، حيث يتم تشغيل أسطوانات الأغاني، فإنني أحاول تجاوز سماع الغناء إلى التأمل في كلمات الأغنية أحيانًا والتسبيح لله أحيانًا أخرى. وقد حدث لي أن كنت في مطعم راق ونظيف وهادئ وواسع ونخبوي «القلعة - غرب الجزيرة chateu - west island» بإحدى المدن الجميلة بالقارة الأمريكية الشمالية. وأدار شخص من الزبائن من خلال جواله أغنية لمطربة راحلة لم أشخّص صوتها في البداية، إلا أنني بحثت عن كلمات الأغنية في منصة جوجل وتعرفت على اسمها. الكلمات لامست بعض مشاعري يومذاك، وهي:

لو تعرفوا بنحبكم ونعزكم كده قد إيه

لا تقدروا حتى التراب اللي بنمشيلكم عليه

الحب له أحوال كتير.. وحبكم أقوى بكتير

لأن ده الحب الكبير اللي ما فيهوش إزاي وليه

لو تعرفوا …

لأن ده الحب الكبير اللي ما فيهوش إزاي وليه

لو تعرفوا

لو تعرفوا - 2

في ذروة موسم الصيف السياحي، كانت معظم شوارع إحدى المدن السياحية الغربية محفورة لأعمال الصيانة. راقبت سير الإنجاز للأعمال لكونها في طريقي ذهابًا وإيابًا، وعلى مدى شهر كامل، وكان تقدم إنجاز العمل منعدمًا. مجرد وجود سياج وشارع محفور، ولا يوجد أيُّ عامل في الموقع!!!! سألت أكثر من صاحب محل متضرر لعدم ورود رواد إلى محله، وقال لي بالحرف الواحد: كل تلكم الأعمال وهمية scam, تقتات منها بعض اللوبيات المتنفذة بالمدينة. فقلت له: معقول! أسمع أن هناك حوكمة وشفافية!

فقال لي: «لو تعرفوا … يا أستاذ … حجم الفساد في دول كنا ننظر لها أنها في مقدمة الرصانة والشفافية، ولكن بعد معايشة الواقع غيّرت وجهة نظري وللأبد». وبالفعل نقّبت في يوتيوب وحصلت على فيلم استقصائي وثائقي عن مافيا المقاولات في بعض المدن الأجنبية!!!

لو تعرفوا - 3

كل من عرف رسول الله حق المعرفة، عرف قيمة ما قد يدفعه عن كل كلمة حق يقولها أو يرددها؛ لأنها تنم عن قيمة ومبدأ. فمنذ أن دفع الرسول تكلفة دعوة لجملة «لا إله إلا الله» من قطيعة وحصار وتشريد ومطاردة وإيذاء وضرب وتهكم وملاحقة، وامتد ذاك على أفراد أسرته وأبنائه وأحفاده الذين أوذوا نتيجة لصلابة مواقفهم مع الحق. لكلمة الحق، إذا تم ترجمتها بالواقع، قيمة باهظة التكلفة؛ ولذا قلّ أصحاب كلمة الحق في أزمنة النفاق والتملق. فالعالم، ولا سيما بعض المناطق، تدفع تكاليف باهظة، وقد تكون السر في كلمة أو جُمل «……» مع تفعيل لكلمة أو جملة أو شعار أو مبدأ. فما أبالغ لو قلت إن جملة «لو تعرفوا» … لو تعرفوا أن ما دار ويدور في العالم هو نتاج جشع وظلم ونرجسية واستحواذ من البعض.

لو تعرفوا - 4

هناك صراع طويل ومرير على أصل بعض الأطباق بين دول أو شعوب أو قوميات، ومنها طبق الفلافل وطبق الكسكس وطبق الكباب وطبق اللحم المدخن وطبق الهريسة وطبق الحلوى وطبق الطاجن ومشروب القهوة. الأغلب لا يعرف، وقد يقع بإحراج. فمثلًا كنت في مدينة ليماسول بجزيرة قبرص الغربية وطلبت قهوة تركية. فوجدت النادل تسمّر مكانه ونظر نظرة عجيبة نحوي، وقال لي: لا توجد قهوة تركية بالمحل ولا في عموم قبرص. ففهمت أن اسم تركيا غير مرحب به في ليماسول بسبب خلاف طويل بين تركيا واليونان!

وكذلك أتذكر محلًا قريبًا من مبنى البرلمان الهولندي، يبيع ساندويتش فلافل، وصاحبه معادٍ لأهل فلسطين، ومعلّقًا لوحة كبيرة مؤطرة ومبروزة ترسخ مفهوم أن الفلافل هي أكلة غير فلسطينية وغير عربية!

بهارات

كل الطعام الذي نأكله، لولا البهارات والمحسنات، لاختلف مذاقه بشكل تام. ولذلك تكتشف بأن بعض الأمم منذ عقود، تستمتع بما تأكل. ولعل من بحث في تاريخ البهارات وتجارتها لذهل من تاريخ بعض الحروب التي كان سببها تجارة البهارات. إجادة وضع نسب وكميات البهارات أثناء إعداد أي وجبة، ومكونات الخلطات للبهارات، سر من أسرار نجاحها أو فشلها. بعد خوض التجربة أعترف بأنني أنسى أحيانًا إضافة بعض المكونات للبهارات، فيكون طعم الوجبة مغايرًا لما يجب أن تكون. وهنا أتقدم بجزيل الشكر لأمي وزوجتي على طول بالهم وقوة صبرهم على عدم تفهمي لهذه الجزئية. وأطلق نداء مفتوحًا لكل ابن/أب/زوج/أخ بأن يدخل المطبخ ويتعلم مبادئ الطبخ ويشارك في إعداد بعض الأطباق لكي يتفهم حسن إدارة الطبخة والتحضير لها ومراقبة الموقد وتوخي الحذر وطلب السلامة وضمان جودة نضج الطبخة قبل تقديمها.

رسالة شكر

شخصيًا أشكر كل عامل وموظف ومدرّس وطاهي وفرّان وخباز وحلواني ومهندس وطبيب قدّم ويقدّم خدماته الجليلة بتفانٍ وإتقان ونظافة وإخلاص. فمن القلب شكرًا للأوفياء المخلصين، وأنتم في قلب الدعاء بالتوفيق والحفظ والبركة.

ما حكّ جلدك مثل ظفرك

عزيزي الطالب/الموظف/ربة الأسرة/رب الأسرة، إذا كنت تستطيع أن تطبخ بيديك فافعل ذلك ولا تتردد، وعوّد نفسك على ذلك حتى مع الإخفاق في البداية. وإن لم تتمكن في البداية، فاكسب المهارة بالإصرار ولو بعد عمر الستين.

فكمية الصور والمقاطع المتداولة عن تفريغ بعض العمالة شحنات الغضب والحقد والاحتقان لديها عبر الطعام والمشروبات والخدمات مثل التوصيل للطلبات تحفّز كل عاقل ومحترم لذاته وغيور لكرامته أن يستنهض همته ليكتسب مهارات إعداد الطعام وأداء احتياجاته اليومية اعتمادًا على نفسه.

نحن نثق بالآخرين من العمال الآسيويين وغير الآسيويين، ولكن وجود كمية معلومات موثقة عن خيانة بعض العمالة الأجنبية للأمانة تجعل كل إنسان حصيف أكثر حذرًا من أن يثق بكل من هب ودب في أكله وشرابه وملبسه وتنقله. هناك أهل شرف وعفة وأمانة من مواطنين وعمال/موظفين أجانب، كما أن هناك أهل غل وحسد وغدر وتهتك وخيانة، سواء من مواطنين أو عمال/موظفين أجانب. والعاقل خصيم نفسه، واجعل يديك تطعمان فمك.

ألم أم ولادة

شخصيًا حيثما تتاح لي الفرصة أتجول في الأرض شرقًا أو غربًا، فإنني أقتنصها وأشكر الله على ذلك. وقد شاهدت عددًا كبيرًا من العرب من كل الألوان والأيديولوجيات في بقاع عديدة من العالم، والأغلب منهم متناثرون في الأرض بسبب أزمات وتجاذبات وحروب وصراعات وعواصف اقتصادية مريرة. فكنت أتساءل: هل هذا الأمر مؤشر تعاسة وألم تشريد، أم نتاج سوء إدارة، أو مصداق لقول الإمام علي : «ما حُرم منه محتاج إلا بما مُتّع به غني»، أو أنه يبشر بولادة عسرة المخاض لنجباء جدد، أو زيادة غربة أو تغريب أو هرج ومرج أو تطشر وتجنيد. ومهما تكن الأمور، فمهنة باليد أمان من الفقر. تعلم مبادئ وإتقان فنونه طريق لبدء مشوار وحفظ صحة وإكرام نفس. فمن يصنع قوته ويزرع طعامه يملك قراره.