آخر تحديث: 26 / 8 / 2026م - 12:02 ص

رحلة التحرر من الأنا إلى الله تعالى «6»

مرايا النفس بعد العثرة

عند الوقوع في خطأ أو فعل عاثر أو تقصير معين، فهذا يعد اختبارًا حقيقيًا لقدرة الإنسان على التعامل بوعي ونضج وحرية داخلية، أم أنه سيدخل في متاهة تضخم الذات ومرآة الأنا، فيرى الصورة بشكل مشوش، ويتجه نحو توافق الخطأ مع شخصيته العالية - كما يتصور -، فيأبى الاعتراف بالخطأ؛ لأنه يعد انكسارًا لشخصيته اللامعة، فيأتي بالمبررات والأعذار التي تدفع عنه أي مراجعة ذاتية أو نقد إيجابي؟!

النضج العقلي يُظهر قدرة على التعاطي مع أي خطأ وكأنه أمر وارد لا ينبغي الخجل منه أو نكرانه أو مداراته، بل يعمل على النظر للأمر وكأنه عثرة عابرة لا ينبغي تركها دون معالجة وتصحيح لإكمال مسيره مجددًا، وهذه المراجعة تنطلق من اليقين بأن الهدف أو المشروع الكامل في كل خطوة يُقدم عليها وهم، وعليه النظر في تصرفاته بعين المحاسبة والنقد والمراجعة، حيث إن تلك الأخطاء التي عمل على معالجتها ستكون قبسَ نورٍ له مستقبلًا عندما يتعلم منها أهم دروس حياته، وهي النقد الذاتي والصبر في تنفيذ أي عمل، فالخطأ ليس نهاية الطريق، بل قد يكون بداية لمسار جديد من الوعي والإصلاح والتقدم.

فقد يضعف الإنسان في لحظة طيش وجهالة أمام إحدى رغباته، فيستجيب لها كالأعمى دون إدراك للآثار الوخيمة المترتبة عليها، وقد يصدر منه حكمٌ متسرع دون أن ينتظر ويُمهل نفسه لتشكيل الصورة الشاملة للحدث أو الموقف، وقد يدفع ثمنًا غاليًا لذلك التسرع في الحكم، ويصبح ذلك سلوكًا مستمرًا لديه إن لم يعالجه بشكل صحيح، كما أن أحد المواقف التي ينظر إليها قد يخطئ في تقديره بسبب عوامل أخرى مؤثرة أهمل النظر فيها، فجاءت النتيجة مغايرة للواقع تمامًا، كل هذه الأمور واردة جدًا، ولكن يختلف الناس في كيفية التعاطي معها بعد ظهور خطئهم، والإنسان الواعي هو من يرى قيمته ومكانته في الظهور بصورة جيدة وصحيحة واقعًا لا تزييفًا، فيعمد إلى رفع ذلك الاتساخ الذي لحق بصورته الجميلة من خلال مراجعة ذاتية يُصلح بها الأخطاء ويزيلها.

وهذا الاعتراف بالخطأ لا يساوق معنى جلد الذات «التحقير النفسي»؛ ليتحول الخطأ إلى كابوس يسبب له الاضطراب والقلق المدمر، بل الاعتراف بالخطأ هو إصلاح ما وقع فيه ومعالجته بعد تحمل مسؤولية ما يصدر منه؛ ليبقى الإنسان قادرًا على استعادة توازنه والمضي قدمًا بعد العثرة.

وعلى مستوى العلاقة بالله تعالى، فإن ارتكاب الذنوب يوجب السخط الإلهي واستحقاق العقوبة، ومتى انسجم الإنسان العاصي مع خط التوبة والاعتراف بالخطأ والندم الحقيقي على ارتكابه، استطاع أن يخلّص نفسه من تراكم الخطايا وتسلسلها يظلم بها نفسه، ويسقط في نهاية الأمر في الهاوية، ولكن التوبة رجوع واع يتضمن الإقلاع عن الخطأ والعزم على عدم العودة إليه مجددًا؛ ليتحول الذنب من عبء نفسي إلى درس تربوي يعيد تشكيل شخصية الإنسان، وهو ما يتضمن محاسبة النفس وامتلاك الشجاعة للاعتراف بالخطأ والتقصير، فالذي يعترف بخطئه يتعلم أن الحقيقة أكبر من صورته غير الحقيقية أمام الآخرين، أما المكابرة فتجعل الإنسان أسيرًا لموقف خاطئ يدافع عنه، لا لأنه يعتقد صحته في قرارة نفسه، بل لأنه أصبح مرتبطًا - كما يتصور واهمًا - بكبريائه والحفاظ على مكانته بين الناس.