آخر تحديث: 26 / 8 / 2026م - 12:02 ص

ألم الفقد.. أعظم إعادة بناء في حياة الإنسان

أنيس آل دهيم *

لم أكن أظن أن الإنسان يمكن أن يستيقظ ذات يوم ليجد أن حياته التي كان يعرفها قد تغيرت إلى الأبد. كنت أظن أن بعض الأحداث مهما كانت قاسية، تمر مع الأيام، وأن الإنسان يعود بعدها إلى حياته، إلى أعماله، إلى اهتماماته، وإلى تفاصيله الصغيرة التي اعتادها.

لكنني بعد فقد ابني يوسف أنيس، الذي رحل عن هذه الدنيا في السادسة عشرة من عمره، أدركت أن هناك فقدا لا يمر مرور الكرام. هناك فقد يغير نظرتك إلى كل شيء. يغير معنى الوقت، ومعنى الأسرة، ومعنى النجاح، ومعنى السعادة، وحتى معنى الحياة نفسها. لم يكن رحيل يوسف مجرد غياب ابن عن أبيه، بل كان لحظة توقفت عندها كثير من الأشياء في داخلي. لحظة جعلتني أنظر إلى حياتي من بعيد، وأراجع سنوات مضت، وأتساءل عن أشياء كثيرة كنت أظنها مهمة، ثم اكتشفت أنها لم تكن كذلك.

سألت نفسي:

هل كنت أعيش كما ينبغي؟

هل أعطيت أبنائي من وقتي وحضوري ما يستحقون؟

هل قلت ما يكفي من كلمات الحب؟

هل احتضنتهم بما يكفي؟

هل كنت أؤجل بعض الأشياء الجميلة إلى وقت كنت أظنه سيأتي؟

وهل أعطيت الله والآخرة من قلبي ووقتي كما أعطيت الدنيا؟

لم تكن هذه الأسئلة سهلة، ولم تكن الإجابة عنها إلا بصرخات وآهات من الألم تعتصر قلبي.

فالفقد لا يأخذ منا شخصا نحبه فقط، بل يأخذ معه جزءا من الصورة التي كنا نرى بها الحياة. ثم يتركنا أمام أنفسنا، بلا قدرة على الهروب من الأسئلة التي كنا نؤجلها. وهذا ما جعلني أكتب هذه السطور.

لا لأتحدث عن الحزن فقط، ولا لأصف وجع الفقد، فهناك مشاعر يعجز الكلام عن حملها، وإنما لأتحدث عن الجانب الآخر من هذه التجربة، الجانب الذي جعلني أراجع نفسي، وأعيد النظر في كثير من الأشياء التي كنت أعيشها دون أن أتوقف عند معناها. لقد أدركت أن الإنسان لا يعيش الأيام فقط، بل إن الأيام تعيد تشكيله من جديد.

قد تمر بنا سنوات طويلة دون أن ننتبه إلى أننا تغيرنا، ثم تأتي لحظة واحدة تعيد ترتيب كل شيء في داخلنا. والفقد من أقسى تلك اللحظات. نحن نعيش حياتنا وكأن الوقت ملك لنا. نضع أهدافنا، ونبني مشاريعنا، ونخطط للمستقبل، ونركض خلف المال والنجاح والمكانة، ونؤجل أشياء كثيرة نظن أن الوقت سيمنحنا فرصة للقيام بها لاحقا.

نؤجل جلسة مع الأبناء.

نؤجل زيارة قريب.

نؤجل الاعتذار.

نؤجل كلمة الحب.

نؤجل التوبة.

نؤجل إصلاح أنفسنا.

نقول دائما: غدا.

لكن الإنسان بعد الفقد يكتشف أن الغد لم يكن وعدا. وأن الوقت الذي كان يظنه ملكا له لم يكن كذلك. وأن أجمل اللحظات قد تكون تلك التي مر عليها دون أن يشعر بقيمتها. ومن أكثر الأشياء التي تؤلمني اليوم أنني أتذكر بعض الأمنيات التي كان يوسف يريد تحقيقها، وبعض الأشياء التي ربما كنت أظن أن الوقت سيسمح لنا بها لاحقا. وهنا أدركت أن التأجيل قد يكون أكبر خداع نمارسه على أنفسنا. فنحن لا نؤجل الأشياء فقط، بل نؤجل الحياة نفسها.

ولذلك أصبحت أرى أبناءنا بطريقة مختلفة.

أصبح احتضان الابن أكثر من مجرد لحظة عابرة.

وأصبحت الجلسة معه، والحديث إليه، والاستماع إلى تفاصيل يومه، والتقاط صورة تجمعنا به، أشياء لا ينبغي أن نستهين بها. فقد تأتي لحظة نتمنى فيها دقيقة واحدة فقط من تلك الأيام التي كنا نعيشها دون أن نعرف قيمتها. وهنا أتذكر الآباء والأمهات الذين يضطرون إلى الغياب عن أبنائهم من أجل العمل وتأمين الحياة الكريمة لهم. وأدرك كم هو مؤلم أن يضحي الإنسان بجزء من حضوره مع أبنائه من أجل مستقبلهم، ثم يكتشف أن المستقبل نفسه لم يكن مضمونا. فعلا، كان الله في عون كل أب وأم يحملان هم أبنائهما ويحاولان أن يصنعا لهم حياة أفضل.

لكن الفقد علمني شيئا آخر. علمني أن المصيبة، مهما كانت قاسية، يمكن أن تتحول إلى لحظة مراجعة. وهذا لا يعني أن الألم يصبح جميلا، أو أن الفقد يصبح سهلا، أو أن الإنسان لا يحزن.

الحزن يبقى حزنا.

والاشتياق يبقى اشتياقا.

والفراغ الذي يتركه من نحب لا تملؤه الكلمات.

لكن الإنسان يستطيع أن يسأل نفسه وسط هذا الألم:

ماذا سأصبح بعد أن حدث هذا؟

وهذا السؤال، في نظري، من أهم الأسئلة التي يمكن أن يطرحها الإنسان على نفسه. فالابتلاء لا نستطيع دائما اختيار سببه، ولا نستطيع تغيير ما وقع، لكننا نستطيع أن نختار ما الذي سيفعله هذا الابتلاء بنا. قد يجعلنا أكثر قسوة، وقد يجعلنا أكثر رحمة. قد يبعدنا عن الله، وقد يعيدنا إليه. قد يجعلنا نكره الحياة، وقد يعلمنا كيف نعيشها بصورة أعمق. وقد يكسرنا، لكنه في الوقت نفسه قد يكون بداية ميلاد إنسان جديد في داخلنا. وهنا يكمن معنى إعادة بناء الإنسان.

لقد اكتشفت أن الإنسان قد ينشغل طوال حياته بإعادة ترتيب الأشياء من حوله، لكنه ينسى أن أهم شيء يحتاج إلى إعادة ترتيب هو نفسه. قد يغير منزله، وسيارته، وعمله، ومكانه، ودخله، لكنه لا يتوقف ليسأل:

ماذا حدث لقلبي؟

هل أصبحت أفضل؟

هل أصبحت أكثر رحمة؟

هل أصبحت أكثر قربا من الله؟

هل أصبحت أكثر حضورا مع أسرتي؟

هل أصبحت أكثر قدرة على العطاء؟

هل أصبحت أقدر النعم التي بين يدي؟

إن إعادة بناء الإنسان لا تبدأ من الخارج. تبدأ من القلب. أن يعيد الإنسان تعريف نفسه.

من أنا؟

لماذا أنا هنا؟

ما الذي أريده من هذه الحياة؟

وماذا أريد عندما تنتهي؟

وحين يبدأ الإنسان في طرح هذه الأسئلة، تتغير أشياء كثيرة في داخله.

تتغير نظرته إلى المال.

وتتغير علاقته بالنجاح.

وتتغير علاقته بالناس.

ويكتشف أن كثيرا من الأشياء التي كان يركض خلفها لم تكن تستحق كل ذلك الركض. الدنيا بارعة في تشتيت الإنسان.

تقول له:

اجمع المزيد.

امتلك المزيد.

كن مشهورا.

نافس أكثر.

سافر أكثر.

كن أفضل من غيرك.

ثم تمضي السنوات، وقد يكتشف الإنسان أنه امتلك أشياء كثيرة، لكنه خسر نفسه في الطريق. وليس الخطأ أن نعيش الدنيا. الإسلام لا يدعونا إلى ترك الحياة، ولا إلى رفض نعم الله، ولا إلى العزلة عن الناس. المشكلة تبدأ عندما تتحول الدنيا من وسيلة إلى غاية. عندما تصبح رغباتنا أكبر من قيمنا.

وعندما تصبح ملذاتنا أقوى من ضمائرنا.

وعندما ننسى أن وراء هذه الحياة حياة أخرى.

بعد تجربة الفقد، أصبح الموت بالنسبة لي ليس مجرد خبر عن شخص رحل، بل تذكيرا دائما بأننا جميعا في طريق الرحيل. فالإنسان سيترك بيته، وماله، وأعماله، وممتلكاته، وكل ما ظن يوما أنه ملكه، ويبقى معه شيء واحد: ما قدمه.

وهنا يتغير معنى النجاح. فالنجاح ليس فقط أن تصل إلى منصب، ولا أن تمتلك بيتا أكبر، ولا أن يكون لديك رصيد أكبر، ولا أن يعرفك الناس أكثر. النجاح الحقيقي أن تصل إلى الله بقلب أفضل مما كان عليه عندما بدأت رحلتك.

أن تترك خلفك أثرا طيبا.

إنسانا أحببته فأحبك.

قلبا جبرته.

شخصا ساعدته.

ابنا منحته الأمان.

وأثرا صالحا يستمر بعد غيابك.

لقد علمني يوسف، رغم رحيله، أن قيمة الإنسان لا تقاس بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بما تركه من حسن الخلق وعلم وطاعة وحب في قلوب من عرفوه. وأصبحت أرى أن أعظم ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا ليس الأشياء التي نشتريها لهم، وإنما الحضور، والحب، والأمان، والذكريات الجميلة.

فالأبناء لا يتذكرون دائما ما اشتريناه لهم، لكنهم يتذكرون كيف جعلناهم يشعرون ويتذكرون حضن الأب، وكلمة الأم، والجلسة العائلية.

والرحلة.

والضحكة.

والصورة التي جمعت الأسرة.

واللحظات التي ربما لم نكن نعرف أنها ستصبح يوما أثمن ما نملك.

لذلك لا تنتظر الفقد حتى تعرف قيمة الحضور، ولا تنتظر الغياب حتى تعرف قيمة من تحب، ولا تنتظر المرض حتى تعرف قيمة الصحة، ولا تنتظر الموت حتى تبدأ الحياة.

عش حياتك بكل حب الآن.

صل من قطعك وسامح الآن.

اقترب من الله الآن.

احتضن أبناءك الآن.

وأصلح ما بينك وبين الناس الآن.

فليس من الحكمة أن نحتاج إلى الألم حتى نتعلم قيمة النعمة. ومن هنا أصبحت أؤمن أن المصيبة ليست بالضرورة عقوبة، وليست بالضرورة دليلا على غضب الله. فالابتلاء سنة من سنن الحياة، وكل إنسان يمتحن بطريقة مختلفة. وقد يكون الامتحان في الشيء الذي نحبه أكثر. والحكمة ليست دائما في أن نفهم لماذا حدث الأمر، فقد لا نعرف أسبابه وحكمته كاملة، وإنما في أن نسأل:

كيف سأتعامل معه؟

هل سأصبر؟

هل سأحتسب؟

هل سأرجع إلى الله؟

هل سأراجع نفسي؟

هل سأتعلم؟

هل سأصبح بعد المصيبة أفضل مما كنت قبلها؟

وهنا يتحول الابتلاء من مجرد جرح إلى درس. ومن مجرد ألم إلى وعي. ومن مجرد فقد إلى بداية جديدة أكثر حبا وإخلاصا إن شاء الله. لا ينبغي للإنسان أن ينتظر المصائب حتى يصلح نفسه. والعاقل هو من يراجع نفسه وهو في عافية ومن يستفيد من مصائب الآخرين، ومن يتذكر الآخرة وهو في صحة ومن يعطي أبناءه الحب قبل أن يشتاق إلى أصواتهم، ومن يصل رحمه قبل أن يبحث عن أخبارهم بعد الغياب، ومن يعتذر قبل أن يصبح الاعتذار مستحيلا، ومن يقول كلمة الحب قبل أن تصبح ذكرى يتمنى لو قالها.

لقد أدركت أن الإنسان لا يحتاج دائما إلى مزيد من الأشياء. أحيانا يحتاج إلى أن يتخلص من أشياء كثيرة داخله: يتخلص من الغرور، ومن قسوة القلب، ومن التعلق المفرط بالدنيا.

ومن مقارنة نفسه بالآخرين.

من الانشغال بما لا ينفع.

ومن تأجيل ما هو أهم.

ويحتاج في المقابل إلى أن يبني: قلبا أكثر إيمانا ونفسا أكثر رضا.

وروحا أكثر طمأنينة. وأخلاقا أجمل، وعلاقات أكثر صدقا.

وحياة يكون فيها مستعدا للقاء الله.

غير الفقد الكثير من مفاهيمي. لم يعد هدفي أن أملك أكثر، بقدر ما أصبح يهمني أن أكون أفضل. ولم تعد الشهرة هي القيمة التي أبحث عنها، بقدر ما أصبح الأثر هو ما يشغلني. ولم يعد الوقت بالنسبة لي مجرد ساعات تمر، بل أصبح أمانة. ولم تعد الأسرة مجرد جزء من الحياة، بل أصبحت في مقدمة ما يجب أن نحافظ عليه.

وأصبحت أرى أن الإنسان يستطيع أن يحول ألمه إلى عمل، وحزنه إلى رحمة، وفقده إلى أثر، وذكرياته إلى حياة أفضل. فما قيمة أن يتألم الإنسان ثم لا يتغير؟ وما قيمة أن يبكي على الراحل ثم يعود إلى الغفلة نفسها؟

وما قيمة أن يتذكر الآخرة أياما، ثم ينساها عندما تهدأ مشاعره؟ المصيبة الحقيقية ليست أن تنكسر. فكل إنسان معرض للانكسار. المصيبة أن تنكسر ولا تعيد بناء نفسك.

ربما لا نستطيع اختيار الابتلاءات التي تأتي إلينا، ولا نستطيع أن نعيد من رحل، ولا أن نغير ما حدث. لكننا نستطيع أن نختار ماذا سنفعل بما بقي. وهذا هو الدرس الذي أحاول أن أتعلمه من فقد يوسف.

لا أريد أن يكون رحيله مجرد جرح يسكن في قلبي، ولا أن تتحول ذكراه إلى حزن متجدد كلما مر الزمن. أريده أن يكون سببا لأن أكون إنسانا أفضل.

أبا أكثر حضورا.

وقلبا أكثر رحمة.

وعبدا أكثر قربا من الله.

أريد أن تكون ذكراه تذكيرا لي ولمن حولي بأن العمر أقصر مما نعتقد، وأن الوقت أثمن مما نظن، وأن أبناءنا ليسوا مشاريع نؤجل حبهم إلى الغد، وأن الحياة التي بين أيدينا الآن هي النعمة التي ينبغي أن نحسن التعامل معها بكل حب وصدق. أريده أن يكون مثلا أعلى تقتدي به الأجيال الحاضرة والقادمة إن شاء الله.

لقد رحل يوسف عن الدنيا، لكنه ترك في داخلي أسئلة لم أعد أستطيع تجاهلها، وترك لي مسؤولية أن أحول هذا الألم إلى معنى، وهذه الذكرى إلى عمل، وهذا الفقد إلى حياة أكثر وعيا وإيمانا ورحمة.

وربما كان هذا هو المعنى الأعمق للفقد:

أن يأخذ منا من نحب، لكنه يعيد إلينا أنفسنا.

يعيد إلينا قلوبنا.

يعيد إلينا وعينا.

يعيد إلينا قيمة الأسرة.

يعيد إلينا معنى الوقت.

يعيد إلينا صلتنا بالله.

ويذكرنا بحقيقة كنا نعرفها، لكننا كثيرا ما نعيش وكأننا نسيناها:

أننا جميعا راحلون. وأن الرحلة مهما طالت قصيرة. وأن الدنيا مهما أعطتنا ستأخذ منا. وأن ما يبقى ليس ما جمعناه، وإنما ما قدمناه. لذلك لا أريد أن تكون المصائب التي تمر بنا مجرد جروح نحملها، بل دروسا نبني بها أنفسنا. ولا أريد أن يكون الفقد مجرد وجع، بل أن يصنع فينا إنسانا جديدا. إنسانا يعيش في الدنيا، لكنه لا يجعلها تسكن قلبه. إنسانا يحب أبناءه قبل أن يشتاق إليهم. ويصل رحمه قبل أن يفقد أحدا منهم. ويقول كلمة الحب قبل أن تصبح أمنية. ويستعد للقاء الله قبل أن يأتيه الموعد.

رحم الله أبني الغالي يوسف، ورحم الله كل من فقدناهم، وجعل رحيلهم سببا في يقظة قلوبنا، وإصلاح نفوسنا، وقربنا منه، وجعل ذكراهم نورا يقودنا إلى الخير، لا مجرد حزن يسكن فينا. اللهم اجعل يوسف في رحمتك ورضوانك، واجعل فقده سببا في أن نكون أقرب إليك، وأكثر حبا ورحمة بمن بقي لنا.

ورحم الله من قرأ سورة الفاتحة وأهدى ثوابها إلى أرواح المؤمنين والمؤمنات.

وإنا لله وإنا إليه راجعون.