هل تعطي ثقتك لمن لا يستحقها
تجارب عديدة عشناها بمرها وحلوها على مسرح الحياة، منها ما خلّف وترك بصمات لا تُنسى من الفخر والاعتزاز، وبناء الثقة وتعزيز العلاقة والترابط والتآلف مع شرائح اجتماعية، منها من تربطك بهم صلة النسب، أو الصداقة الأخوية، أو زمالة العمل، فكانوا نعم العون والسند والدعم في أي مشكلة أو معضلة تواجهها في خضم الأحداث المختلفة، ماديةً كانت أم معنويةً، بل هم دواء لكل داء والستار الواقي في حفظ أسرارك وشؤون حياتك، وما تمر به من عقبات أو نكبات لا سمح الله، وقد أثبتوا ذلك قولًا وفعلًا، ولذلك مُنحوا الثقة المطلقة وصادق اليقين.
وعلى العكس من كل ذلك، وهم أولئك الذين كنت تعتبرهم في يوم من الأيام روحك التي بين جنبيك، وأقرب الناس إليك، حيث لا حواجز أو عوائق في كتمان الأسرار أو مستجدات الأخبار، وفجأة ومن غير سابق إنذار، تنقلب تلك الأمانة والاطمئنان النفسي إلى واقع مر أليم بسبب عدم توافق مصالحهم ورؤاهم مع حقائق أبرزتها وكشفتها اختبارًا لهم ولمواقفهم، وإذا بك تصدم آمالهم وطموحاتهم ويرون فيك أنك تقف مع طرف ضد الآخر بحسب أوهامهم المتخبطة.
ولكن ما يحزّ في النفس أن تكتشف ذلك مؤخرًا وعلى حين غفلة، ومما يزيد الأمر سوءًا أنهم أصبحوا ذوي وجهين وذوي لسانين؛ يتظاهرون معك بحسن الوجه والكلام المعسول لحاجة في نفس يعقوب، فكل غايتهم أن يعرفوا ما وراء الكواليس من خفايا وأسرار لا تجاري مصالحهم ومنافعهم وأهواءهم التي يريدونها ويسعون إليها، وفي الوقت نفسه يتظاهرون بالتودد والإنصات إليك، ليس حبًا فيك، وإنما لهدف في نفوسهم، وعلى حين غِرّة تكتشف ما وراء الأكمة وما كانوا يعدونه في الاتجاه المعاكس من التدليس والتضليل والتلفيق ضد من يخالفهم الرأي.
وهؤلاء ينطبق عليهم قول الشاعر:
لا خير في ود امرئ متملق
حلو اللسان وقلبه يتلهب
يعطيك من طرف اللسان حلاوة
ويروغ منك كما يروغ الثعلب
فحذارِ من هذه الأصناف البشرية المريضة، التي تهدم ولا تبني وتفرّق ولا تجمع وتخلق بلبلة واضطرابًا من الأقاويل والتأويلات الفارغة من المحتوى على الصعيد المجتمعي، بهدف تفكيك ترابطه وتماسكه ووحدته وهدم العلاقات الإنسانية بكل تفرعاتها. والله الموفق.














