آخر تحديث: 26 / 8 / 2026م - 12:02 ص

صراع إرادات داخل بعض البيوتات

المهندس أمير الصالح *

مقدمة

أصل معظم المشكلات في الحياة الأسرية صغير جدًا، وقد لا يتعدى أمنية إصغاء الوالدين للابن، أو مراعاة الأبناء لجهود الوالدين، أو الشعور بالحب والتشجيع والتحفيز والعدالة وتكافؤ الفرص. إلا أن إهمال بعض الأطراف لأطراف أخرى داخل المنزل الواحد، واختفاء السعي لتحقيق بعض أو كل الأمنيات المعقولة والمقدور على إنجازها، قد يؤجج أفعالًا كبيرة وأزمات مستعصية تنتهي بكارثة حقيقية.

حادث يهز الوجدان

شاركنا زميل في مجموعة رقمية بمقطع مرئي يوثق خبرًا مؤلمًا وصادمًا عن إقدام شاب هندي يافع على تنفيذ تهديده بالانتحار من سفح جبل شاهق، بسبب عدم تلبية والده لطلبه بتوفير هاتف جوال. واندفع والد الشاب لاإراديًا، وبدافع الفطرة والحب، لإنقاذ ابنه أثناء قذف نفسه، إلا أن الأب واجه المصير نفسه. ومن هول الصدمة وقوتها على الأم التي كانت في المنتزه ذاته، اندفعت نحوهما لاحقةً بهما وتوفيت في اللحظة ذاتها. والحق أن العبرة خنقتني وأنا أشاهد ذلك الحادث، وكم تمنيت محاكمة كل حملات التسويق المضللة للشباب في هذا المضمار.

تعليق على الحادث

لعل من الحكمة توظيف هذا الحادث المؤسف لقراءة مشاهد متنوعة في مجتمعات مختلفة تندرج تحت بند «إدارة تعارض الإرادات بين الأبناء وأولياء أمورهم»، وهو ما سلط الضوء عليه بعض المتخصصين التربويين، وأفردتُ له شخصيًا عدة مقالات.

ففي بعض البيئات، يهدد الفتيان والفتيات أولياء أمورهم باللجوء تارة إلى الشرطة، وتارة بترك مقاعد الدراسة، وتارة يهربون دون عودة، وبعضهم يهدد بالانتحار، أو بحرق نفسه، أو بالإضراب عن الطعام، أو الاعتزال داخل غرفته لمدد طويلة، وبعضهم يهدد بالارتماء في أحضان التيارات المعادية لمجتمعه نكاية بأهله، أو بالهروب دون ترك أي أثر يوصل إليه. كل ذلك طلبًا لجوال أو سيارة، أو ارتباطٍ بمن فُتن به، أو رغبةً في الخروج مع رفقاء السوء، أو السفر إلى وجهات مشبوهة. كما يلتحق بعضهم في صمت مطبق بعصابات ترويج المخدرات والأنشطة الإجرامية لتلبية متطلباتهم المادية، وقد تقع بعض الفتيات فريسةً لشبكات مشبوهة بعد التغرير بهن عبر الفضائيات والمنصات الرقمية.

يقابل ذلك أن بعض أولياء الأمور يفرطون في التسويف ويقللون من الإصغاء، غافلين عن مشاعر اليأس التي تتسلل لنفوس أبنائهم، أو حجم الحرج الذي يتعرضون له بين أقرانهم في المدارس والجامعات بسبب الفوارق المعيشية في اقتناء بعض الكماليات.

إن هناك هشاشة حقيقية لدى بعض أبناء الجيل الصاعد، قد تحول الشاب إلى قنبلة موقوتة، أو سارق، أو منتحر، أو أسيرٍ للاكتئاب والعزلة. والمناكفات وصراع الإرادات قد تبلغ حد كسر العظام بين ابن عنيد وأب مسوّف، أو مهمل، أو شحيح، أو متزمت؛ لذا لا غنى عن الاحتواء الذكي المبكر؛ لأن الإهمال، والتجاهل، والبخل، وتجاهل الاحتياجات الفردية قد يقود إلى مآسٍ مروعة.

إن حسن تلمس احتياجات أفراد الأسرة، وقضاء الوقت معهم، وحسن توجيههم، وتشذيب مطالبهم، فنٌّ يتعين على أولياء الأمور إتقانه.

إدارة الرغبات ومواجهة الإهمال

عند تعبير أحد الأبناء عن حاجته لأمر مادي، ينبغي أن يقوم الحوار على توضيح إمكانات الأسرة الواقعية وأقرب موعد لتلبيتها، مع وضع ضوابط واضحة للاستخدام ووقته ونطاقه، سواء أكان سيارة، أم زواجًا، أم منصات ألعاب إلكترونية وهواتف ذكية، أم التحاقًا بجامعة معينة. فالقطيعة، والإهمال، والتسويف المتكاسل، والحرمان، ليست حلولًا ناجعة؛ إذ تشعل الأفكار الهدامة في عقل المراهق، وتغذي نوازع العناد، وتصنع فجوة من العداء والتوتر الداخلي.

الدلال المفرط مفسدة، والإهمال أشد وطأة لأنه يلجئ الابن إلى الانحراف أو العزلة؛ فكما ينصح المربون بضبط الدلال، يوصون بحسن الإصغاء والاهتمام وتلبية الأمنيات في حدود الاستطاعة. وكما لا ننتظر من المدلل أن يكون معطاءً بعد أن شُبِّع بالنرجسية وحب التملك، فلا ننتظر كذلك من الشاب المحروم أو الفتاة المحرومة أن يلتفتا لمعاناة غيرهما بعد أن عاشا في بيئة لا تقيم وزنًا لأمنياتهما المشروعة.

صيغة رسالة أسرية مفتوحة

استفدتُ كثيرًا من مخالطة الفضلاء من التربويين والاستماع إليهم، وتبلورت لدي قناعة بأهمية إرسال رسائل مفتوحة منتظمة لأفراد الأسرة لمد جسور التواصل وتدارك أي تقصير غير مقصود، ومن نماذج ذلك:

«أبنائي وبناتي الأعزاء، بذلتُ جهدي لتحقيق التوازن بين إكرامكم وتلبية متطلباتكم، والسعي لمعاونتكم في بلوغ أمنياتكم، مدركًا أن الإمكانات لها حدود، وأن الإفراط في التدليل يورث الأنانية، كما أن الحرمان يولد الشح والجحود والهروب من المسؤولية. وبتوفيق الله، ثم بتعاون والدتكم الكريمة، سنظل عونًا لكم على تحقيق غاياتكم الخيرة، وكلكم ولله الحمد محل فخري واعتزازي. نسعى معًا نحو مستقبل مشرف يرضاه الله، فلا يخذلن أحدكم الآخر. أرجو من كل فرد منكم كتابة أمنيته لهذا العام، والوسائل التي ينوي اتباعها، وما يطلبه مني ومن والدتكم للمساندة، ومن فضل التواصل على انفراد فالأبواب مفتوحة دائمًا».

خاتمة

في ظل المقارنات المستمرة عبر الفضاء الرقمي، تلاشت القناعة من نفوس كثيرة، ووجد الابتزاز بيئة خصبة في عقول بعض الناشئة. وأولياء الأمور الحكماء هم من يتعلمون من تجارب غيرهم، ويحصنون بيوتهم بفنون الحوار، والاحتواء، والمكاشفة الصادقة بما هو متاح وما هو متعذر ماليًا، لتفويت الفرصة على أي تصدع أسري.