نافذة الفزع
استيقظت عند الساعة 3:06 فجرًا وكأن أحدًا انتزعني من قاع نومي ووضعني دفعة واحدة في منتصف الغرفة وبقيت لحظات أتحسس المكان من حولي وأحاول أن أفهم أين انتهى الحلم وأين بدأت الغرفة.
قلت.. الحمد لله إنه حلم.. وشربت قطرة ماء وجلست أستعيد أنفاسي ثم اكتشفت أن الحلم لم يخرج معي من النوم.
كان ما يزال هناك..
في رأسي وفي صدري وفي تلك الرجفة الخفيفة التي تتركها بعض الأحلام وراءها وكأنها نسيت شيئًا منها في الجسد.
والأغرب أنني عادة أنام وأستيقظ ولا أملك من أحلامي شيئًا.
قد أمر في نومي بمدن ووجوه وأماكن وأحداث ثم يفتح الصباح بابه فأجد كل ذلك قد تبخر.
هذه المرة حدث شيء مختلف تمامًا بحلم كامل بتفاصيله وممراته ووجوهه وخوفه.. بقي جالسًا في ذاكرتي كضيف ثقيل رفض أن يمضي أو يتركني.
كنت في بيت والدي القديم رحمه الله تعالى ببلدتي القديح الحبيبة.
ذلك البيت الذي عشت فيه جميع طفولتي وحتى أيام زواجي الأولى.. أعرفه كما أعرف خطوط يدي بتقسيماته وأبوابه ودرجه ونوافذه.
كان البيت قسمين.. قسم جنوبي لإخواني من أمنا الثانية - زوجة والدي - وقسم غربي لإخواني من والدتي رحمها الله. وبين القسمين باب داخلي يصل الصالتين ونافذتان صغيرتان تطلان على بعضهما البعض وكثيرًا ما كانت النافذتان تختصران الطريق بحديث سريع من هنا إلى هناك أو سؤال أو كلمة خاطفة أو نداء أو حتى مجرد إطلالة تعرف منها أن أهل الجهة الأخرى موجودين.
في الحلم رأيت أخي عبدالعزيز ورأيت اثنتين من أخواتي - الدكتورة أم علي والمعلمة أم حسين -
والغريب أن أخي ظهر بعمره الحالي ”2026 م“ بينما عادت أختاي في صورة طفولتهما كما لو أن الزمن نفسه أخطأ في ترتيب أعمارنا.
كنت في البيت القديم ومع ذلك كان شيء ما قد تحرك داخله دون موعد أو حتى استئذان.
صعدت الدرج المؤدي إلى سطح المنزل.
هذا الدرج أعرفه جيدًا أيضًا.. ففي أعلاه يوجد في الواقع باب خشبي شمالي يفتح إلى السطح فيما توجد نافذة خشبية قديمة ذات صفقتين مرتفعة عن الأرض ارتفاعًا يجعل استخدامها عسيرًا فتلك النافذة من زمن البيوت الأولى حين كانت النوافذ تُصنع على هيئة تحفظ خصوصية البيت أكثر مما تمنح العين طريقًا إلى الخارج.
في الحلم تغيّرت النافذة..
صارت أوسع قليلًا وانخفضت إلى مستوى يسمح لك بأن تقف أمامها بسهولة وكأن البيت قرر أن يمنحني نافذة جديدة لم أعرفها في طفولتي.
وصعدت..
ثم حدث أول شيء أربكني..
لم أجد باب السطح..
اختفى الباب الذي أعرف مكانه.
وجدت النافذة وحدها..
اقتربت منها ونظرت.
فجأة ظهرت أمامي امرأة ترتدي لباسًا عسكريًا..
كانت قريبة جدًا من النافذة كأنها تقف في الجهة الأخرى منها وكأن النافذة نفسها تحولت إلى شباك استقبال يفصل بين عالمين.
مدّت إليّ يدًا تحمل قلمًا..
وفي يدها الأخرى إطار فيه رسم لامرأة تبكي تنحدر من خدها دمعة واحدة.
ثم أشارت برأسها إلى ما وراءها..
نظرت..
جنود متفرقون..
رجال يمشون حاملين أسلحة..
لا أعرف من أين جاءوا ولا كيف وصلوا ولا لماذا كانوا هناك. الحلم لا يهتم بالأسئلة المنطقية..
الحلم يضع أمامك المشهد ثم يتركك وحدك مع تفسيره.
وفي تلك اللحظة شعرت بالخطر..
نزلت الدرج مسرعًا..
لا أعرف كيف وجدت بندقية!
ولا أعرف من أين جاءت.
في الأحلام الأشياء تظهر حين تحتاج إليها دون أن تسألها عن عنوانها أو تاريخ وصولها.
أمسكتها وصعدت الدرج من جديد..
عدت إلى النافذة..
هذه المرة لم تكن المرأة هناك..
كانت بعيدة عن البيت.
نظرت من النافذة فإذا بجندي يقف في الموضع الذي رأيت فيه المرأة قبل قليل غير أنه صار أبعد.. خارج البيت بعيدًا عن يدي وعن النافذة.
وجهت البندقية نحوه..
التفت إليّ..
ثم حدث ما جعل الحلم ينقلب إلى فزع كامل!
رأيت جماعة داعش تتجه نحو البيت وتدخل من جهته الجنوبية..
في تلك اللحظة لم أفكر في شيء..
نزلت..
كان كل ما أفكر فيه أن هناك من يجب أن أنقذه.
صادفت أخي عبدالعزيز وأختيّ..
وكانت صورة الطفولة ما تزال عالقة بأختيّ صغيرتين دون العاشرة تقريبًا.
قلت لأخي.. اهربوا.
قلت له إن عليهم أن يخرجوا قبل أن يصلوا..
ثم وجدت نفسي في صالة القسم الجنوبي..
ومن هناك اندفعت إلى الباب الداخلي الذي يصل القسمين..
فتحته بسرعة..
دخلت إلى القسم الآخر..
وهنا وقعت أغرب مفاجآت الحلم كلها..
لم أجد إخوتي!
اختفوا.
وجدت زوجتي أم علي وابني علي وابنتي فاطمة..
ثلاثة وجوه أعرفها أكثر من أي شيء آخر..
أخبرتهم أن يخرجوا..
أن يهربوا بسرعة من الباب الغربي.
كان الخوف قد ملأ المكان وكانت الفوضى تتسع والجماعة بدأت تدخل من الجهة الجنوبية.
ثم استيقظت..
3:06 فجرًا.
بسم الله الرحمن الرحيم..
قطرة ماء..
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..
الحمد لله..
ونظرة طويلة إلى الغرفة..
وبقي البيت القديم معي..
بقي الدرج..
بقيت النافذة..
بقي القلم في يد المرأة..
بقيت تلك المرأة المرسومة داخل الإطار وهي تبكي..
وبقيت الدمعة التي كانت على خد المرأة العسكرية..
وبقيت أكثر من ذلك كله صورة أطفالي وهم ينتظرون مني أن أجد لهم طريقًا للخروج.
وهنا انتهى الحلم..
وبقي..
لماذا كان القلم في يد امرأة عسكرية؟
ولماذا كانت النافذة هي الطريق الوحيد الذي بقي مفتوحًا حين اختفى الباب؟
ولماذا عادت أخواتي طفلتين، ولماذا اختفى إخوتي في الجهة الأخرى ليظهر أبنائي مكانهن؟
لا أعرف.
وربما لا ينبغي لي أن أعرف..
فبعض الأحلام حين نشرحها كثيرًا نفقد دهشتها، وبتركها معلّقة تظل تعمل فينا طويلًا.
أما أنا.. فما زلت كلما تذكرت تلك الليلة أعود إلى الساعة 3:06 فجرًا، وإلى البيت القديم، وإلى النافذة التي لم تكن هناك..
وأتساءل فقط..
مَن كان يحمل القلم حقًا؟
أنا؟
أم الحلم؟
وهل كانت تلك النافذة تفتح على ما رأيته خارج البيت…
أم على شيء كان في داخلي؟














