ورقةٌ وقلمٌ وأنا
على الطاولة ورقةٌ بيضاء، تشبه قلبًا أثقله البوح ولم يجد كلماته، وقلمٌ صامتٌ كقلبٍ يخاف أن يقول الحقيقة.
أجلس بينهما، كأنني أبحث عني في مساحةٍ لا تعرف اسمي، أضع يدي على الورقة، فتتراجع الكلمات قليلًا، ثم تأتي متعبة، تحمل على ظهورها أيامًا لم أعشها كاملة.
أكتب: أنا بخير،
فتضحك الورقة،
وأكتب: لستُ بخير،
فيبكي القلم،
وأكتب: نَسِيتُ،
فينزفُ الحِبْرُ، كأنَّهُ يعرف أن بعض الغياب لا يُنسى، بل يتعلم الجلوس داخلنا.
كلما كتبت سطرًا، سقط من روحي شيءٌ صغير؛ ذكرى، وَجْهٌ، أو طريقٌ كنت أظنه يقود إلى النجاة، ومع ذلك أواصل، لأن الصمت حين يطول يسكن في القلب كغيمةٍ مثقلة، لا تجد في السماء متسعًا للمطر.
ربما لا أكتب لأحكي ما حدث، بل لأمنح حزني اسمًا يستطيع أن يعيش بهِ.
فالورقة لا تسألني لماذا انكسرت، والقلم لا يلوم يدي المرتجفة؛ كلاهما يعرف أن الإنسان أحيانًا لا يحتاج من ينقذه، بل من يصغي إلى سقوطه، ويمنحه ما لا تمنحه النجاة: أن يكون مفهومًا، ولو مرةً واحدة.
وفي آخر الليل، أترك القلم فوق الورقة، لا شيء انتهى، لكنني أشعر أن قلبي صار أخف قليلًا، كأن الكلمات حملت عنه بعض الغياب، ومضت به بعيدًا.
وحين يطلع الصباح، أرى الورقة أقل بياضًا، وأرى نفسي أقل وحدة؛ كأن الحبر لم يكتب حزني، بل ترك لي طريقًا صغيرًا يعيدني إلى نفسي.
وربما لهذا أعود كل ليلة إلى الورقة نفسها، لا لأكتب ما مضى، بل لأتأكد أنني ما زلت قادرًا على الشعور.
أترك للقلم أن يمشي وحده، فيرسم من ارتجاف يدي طريقًا لا أعرف نهايته، فبعض الحكايات لا تُغلق، مهما وضعنا في آخرها نقطة، وبعض الوجوه لا ترحل تمامًا؛ تظل معلّقة بين سطرٍ وسطر، كعطرٍ عالقٍ في غرفةٍ غادرها أصحابها منذ زمن.
وحين أفرغ من الكتابة، لا أشعر أنني انتصرت على حزني، بل أشعر أنني تصالحت معه قليلًا.
أطوي الورقة ببطء، كمن يطوي قلبه كي لا يراه أحد، وأضع القلم إلى جوارها، ثم أطفئ الضوء.
وفي الْعَتْمَةِ، أفهمُ أخيرًا أنني لم أكن أكتب عن الغياب…
كنت أكتب كي لا أغيب أنا.













