آخر تحديث: 23 / 8 / 2026م - 11:55 م

من الفهم النفسي إلى التدخل السلوكي

مدخل ميداني لبناء السلوك الإيجابي مع بداية العام الدراسي

حسين أحمد آل عباس *

مع إشراقة عام دراسي جديد واستقبال الطلاب في البيئة المدرسية، تتجدد التحديات التربوية والسلوكية أمام الميدان التعليمي، وكثيرًا ما ننشغل بمعالجة السلوكيات الظاهرة داخل الفصل الدراسي، غافلين عن العوامل التي قد تقف خلفها.

إن فهم الجوانب النفسية للطالب يمثل عنصرًا مهمًا في تكوين صورة أكثر شمولًا عن حالته وظروفه؛ إذ تشكل حاجاته إلى الاطمئنان والحب والتقدير والحرية والانتماء عوامل قد تؤثر في سلوكه وتفاعله مع البيئة المحيطة.

وفي إطار تحليل السلوك التطبيقي ”ABA“، لا يُكتفى بتفسير السلوك من خلال هذه الحاجات وحدها، وإنما يُنظر إلى الظروف البيئية والمثيرات القبلية والنتائج المترتبة على السلوك؛ لبناء فرضية وظيفية حوله، واختبارها من خلال الملاحظة وجمع البيانات.

وعوضًا عن الاكتفاء بالتعامل مع السلوك في صورته الظاهرة أو محاولة إيقافه مباشرة، يتيح الجمع بين فهم السياق النفسي والتحليل الوظيفي للسلوك تصميم تدخلات أكثر شمولًا، وذلك وفق العناصر الخمسة التالية:

أولاً: فهم وظيفة السلوك وسياقه:

1. الحاجة إلى التقدير والاعتراف — والانتباه بوصفه وظيفة سلوكية محتملة:

طالب يكثر من المقاطعة أو الحركة الزائدة أثناء شرح المعلم. قد تشير الملاحظة إلى أن الحصول على انتباه المعلم أو الزملاء إحدى الوظائف المحتملة لهذا السلوك، وهنا ينبغي التحقق من ذلك من خلال ملاحظة ما يسبق السلوك وما يترتب عليه، بدلًا من افتراض وظيفته مسبقًا.

2. الحاجة إلى الحرية والاستقلالية — والهروب أو التجنب بوصفه وظيفة سلوكية محتملة:

طالب يرفض تنفيذ المهمة الكتابية أو يفتعل الفوضى عند بداية الحصة. قد يكون السلوك مرتبطًا بالهروب أو التجنب إذا كان يؤدي بصورة متكررة إلى تأجيل المهمة أو تخفيفها أو إيقافها، ويُتحقق من ذلك من خلال تحليل الظروف التي يظهر فيها السلوك والنتائج التي تعقبه.

3. الحاجة إلى الاطمئنان والأمان — ومراعاة السياق النفسي والحسي:

طالب تظهر لديه سلوكيات نمطية أو فرك لليدين وتشتت متكرر مع بداية الأيام الأولى للدراسة، بالتزامن مع تغير البيئة وما قد يصاحبه من توتر أو عدم اعتياد. وهنا يساعد فهم السياق النفسي والبيئي، إلى جانب الملاحظة السلوكية، في اختيار التدخل المناسب.

ثانياً: تعديل البيئة والمثيرات القبلية:

الاستجابة لبعض احتياجات الطالب بصورة استباقية، وإجراء تعديلات مناسبة على البيئة الصفية، قد يقللان من احتمال ظهور بعض السلوكيات غير المرغوبة؛ فإعطاء الطالب دورًا إيجابيًا في اليوم الدراسي — كعريف الفصل أو مساعد المعلم — قد يلبي حاجته إلى التقدير والانتماء، وقد يقلل من بعض السلوكيات التي ثبت من خلال الملاحظة أن الانتباه يسهم في استمرارها.

ثالثاً: اختيار المعززات الفعالة:

تزداد فاعلية التدخل عندما تُختار المعززات في ضوء تفضيلات الطالب، مع التحقق من فاعليتها في زيادة السلوك المستهدف؛ فالطالب الذي يستمتع بالمشاركة الاجتماعية مثلًا قد تكون مشاركته في مجموعات النشاط أو حصوله على تقدير اجتماعي أكثر فاعلية من بعض المعززات المادية.

رابعاً: تعليم السلوك البديل المقبول:

ومن الناحية التربوية، يمكن وضع حدود سلوكية واضحة مع تدريب الطالب على بدائل وظيفية مقبولة تؤدي وظيفة مشابهة بصورة أكثر قبولاً.

فإذا كان الطالب يلجأ إلى سلوك غير مناسب للحصول على الانتباه، يمكن تعليمه طريقة مناسبة لطلب الاهتمام أو المشاركة. وإذا كان يرفض المهمة هربًا من صعوبتها، فيمكن تدريبه على طلب المساعدة أو الاستراحة بطريقة مقبولة. والهدف هنا ليس مجرد إيقاف السلوك غير المرغوب، بل تعليم الطالب ما الذي يمكنه فعله بدلًا منه؛ لأن نجاح التدخل السلوكي لا يُقاس فقط بانخفاض السلوك غير المناسب، وإنما أيضًا بظهور سلوك بديل أكثر فاعلية وقبولًا واستمرارًا.

خامساً: التوازن بين الاحتواء والضبط:

إن التوازن بين فهم الجوانب النفسية للطالب والمحافظة على الضوابط المدرسية يساعد على تجنب التساهل المفرط من جهة، والتعامل العقابي المجرد من جهة أخرى، ويسهم في دعم ضبط الذات واستمرار السلوك الإيجابي وتعميمه عبر المواقف المختلفة طوال العام الدراسي.

همسة الختام:

إن الدمج الواعي بين فهم الجوانب النفسية للطالب والاستفادة من مبادئ وإجراءات تحليل السلوك التطبيقي يمنح الكادر التعليمي مدخلًا أكثر دقة لفهم السلوك والتعامل معه، ويسهم في تأسيس بيئة صفية متزنة ومشجعة على التعلم منذ اليوم الأول للدراسة.