آخر تحديث: 21 / 8 / 2026م - 9:26 م

توطين القرار.. 70% لإدارة المشاريع وصناعة القادة

أحمد مكي الجصاص * صحيفة مال

لم يعد توطين الوظائف في السعودية مجرد سياسة لرفع مشاركة المواطنين في سوق العمل، بل أصبح أداة اقتصادية لإعادة تشكيل القدرات الوطنية داخل القطاعات الأكثر ارتباطًا بالنمو والاستثمار، ومن هنا تبرز أهمية قرار وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، بالشراكة مع وزارة البلديات والإسكان، رفع نسبة توطين مهن إدارة المشاريع إلى 70% اعتبارًا من 14 فبراير 2027، ويشمل القرار مهن مدير إدارة مشاريع، ومهندس إدارة مشاريع، وأخصائي إدارة مشاريع.

اقتصاديًا تأتي الخطوة في توقيت بالغ الأهمية؛ فالمملكة تعيش مرحلة توسع استثماري وتنموي واسعة في إطار ”رؤية السعودية 2030“، تتطلب تنفيذ عدد كبير من المشاريع في قطاعات البنية التحتية، والسياحة، والعقار، والطاقة، والصناعة، والنقل وغيرها، وفي مثل هذا الاقتصاد، تصبح إدارة المشروع نفسها عنصرًا من عناصر الإنتاج، وليست مجرد وظيفة إدارية.

فالمشروع الذي يتأخر عن موعده، أو يتجاوز ميزانيته، أو يعاني ضعفًا في إدارة العقود والمخاطر والموارد، لا يمثل مشكلة تشغيلية فقط، بل قد يعني تكلفة اقتصادية وفرصة استثمارية ضائعة، ولذلك فإن رفع نسبة التوطين في إدارة المشاريع يمكن أن يُقرأ باعتباره استثمارًا في القدرة الوطنية على إدارة رأس المال والمشاريع بكفاءة أعلى.

ومن منظور الموارد البشرية، تكمن أهمية القرار في أنه يستهدف وظائف تقع في قلب دورة المشروع، فمدير المشروع لا يدير الموظفين فقط، وإنما يتعامل مع الميزانيات، والجداول الزمنية، والموردين، والعقود، والمخاطر، والجودة، وأصحاب المصلحة. وبالتالي فإن توطين هذه المهن يعني نقل جزء أكبر من المعرفة والخبرة والقدرة على اتخاذ القرار إلى الكفاءات السعودية.

لكن التأثير الاقتصادي الأهم لن يتحقق بمجرد الوصول إلى نسبة 70%. التحدي الحقيقي هو: ماذا سيحدث بعد التوطين؟

إذا تعاملت المنشآت مع القرار باعتباره التزامًا نظاميًا فقط، فقد يتحول إلى استبدال مسميات وظيفية دون تغيير حقيقي في مستوى الكفاءة، أما إذا استُثمر القرار في التدريب والتأهيل ونقل المعرفة ومنح الصلاحيات، فإنه يمكن أن يتحول إلى رافعة لإنتاجية القطاع الخاص.

وهنا يأتي الدور الجديد لإدارات الموارد البشرية، فلم يعد كافيًا أن تحدد الإدارة عدد السعوديين المطلوب توظيفهم، بل عليها أن تحدد فجوة المهارات، وتبني مسارات مهنية، وتؤهل مديري المشاريع السعوديين، وتربط التطوير الوظيفي بالأداء والنتائج.

والقرار يحمل أيضًا رسالة إلى القطاع الخاص: المشاريع التي تنفذ داخل المملكة تحتاج إلى كوادر وطنية قادرة على إدارة تعقيدها، وليس فقط كوادر تشارك في تنفيذها، وهذا ينسجم مع هدف الوزارة المعلن من القرار، والمتمثل في تعزيز إسهام الكفاءات الوطنية في المنظومة الاقتصادية ورفع تنافسية سوق العمل.

وقد تكون القيمة الأكبر للقرار على المدى البعيد هي تراكم الخبرة السعودية، فمدير المشروع السعودي الذي يدير مشروعًا بمئات الملايين اليوم، قد يقود غدًا مشروعًا بمليارات الريالات، ثم يصبح بعد سنوات جزءًا من جيل القيادات التنفيذية التي تعرف تفاصيل الاقتصاد من أرض الواقع.

لذلك، فإن نسبة 70% ليست مجرد رقم جديد في قرارات التوطين، بل يمكن النظر إليها كخطوة نحو توطين المعرفة والقرار والخبرة، فالسؤال الاقتصادي لم يعد: كم سعوديًا سيدخل سوق العمل؟ بل أصبح أكثر أهمية: كم مشروعًا سيقود السعودي؟ وكم ريالًا من الاستثمارات سيستطيع إدارته بكفاءة؟

وهنا تحديدًا تتحول سياسة التوطين من تكلفة امتثال على المنشآت إلى استثمار في رأس المال البشري، وفي القدرة الاقتصادية للمملكة على تنفيذ طموحاتها بكفاءة واستدامة.

مستشار الموارد البشرية