آخر تحديث: 21 / 8 / 2026م - 9:26 م

أكرمك الله وخيبة المقهى

فؤاد الجشي

في فضاءات الفكر والأدب، تلتقي الأرواح في حضرة الكلمة، ويُخيل إلى المرء دائمًا أنّ من يغزل الحروف ويسكب المشاعر الإنسانية في قوالب روائية لا بُدّ أن يحمل في صدره قبسًا من تلك القيم السامية التي ينادي بها. غير أنّ الحياة تظلّ هي المحك الحقيقي الذي تتساقط عنده الأقنعة وتتكشف الحقائق.

بدأ الأمر ببادرة حملت في طياتها الكثير من الود والتقدير، حين خطت قدم ذلك الصديق والزميل عتبة المنزل للمرة الأولى. كان يحمل بين يديه وليد أفكاره، رواية أصدرها قبل سنوات مضت، وكتابًا آخر أهداهما بوقار الكُتّاب وشغف المبدعين. غمرت البهجة أرجاء المكان وهو يتجول بعينيه الفاحصتين بين رفوف المكتبة النابضة بثقافات شتى، خطها راحلون تركوا إرثًا خالدًا للبشرية، وآخرون ما زالوا ينسجون في حاضرنا أجمل ما لديهم من فكر وإبداع. كان مشهدًا نخبويًا بامتياز، تخلله نقاش عذب ولطيف، انتهى بوعد قاطع برحلة استكشافية في عالم روايته، قبل أن يستأذن الضيف ويمضي سريعًا في طريقه.

لم يتأخر العهد إذ فتحت صفحات الرواية ليتجلى فصلها الأول مثيرًا للغاية، مسبوكًا بأسلوب متميز ومشاهد غامضة نُسجت بحرفة أدبية لافتة للأنظار. دفع هذا الإعجاب الأولي إلى مشاركة خاطرة جميلة تشجيعية على منصات التواصل الاجتماعي، تهنئةً له على هذا الألق والتميز. لكن، ومع التوغل في الجزء الثاني، بدأت ملامح الوهن تتسلل إلى جسد السرد، وظهر إسهاب ممل يكاد يسلب القارئ متعة المواصلة. ومع ذلك، وبدافع من الالتزام الأدبي والأخلاقي، استمرت القراءة بصبر حتى طويت الصفحة الأخيرة في اليوم التالي. أُرسلت رسالة شكر للروائي تنم عن قراءة عميقة متبوعة بعبارة استدراكية تحمل في طياتها الكثير، ولكنني أحتاج إلى جلسة حوارية لتقديم الرؤية الكاملة، فجاء رده سريعًا في اليوم التالي يطلب لقاءً عاجلاً في مقهى قريب بعد نصف ساعة فقط.

في المقهى، وقبل أن يصل الزميل، كانت الأجواء مهيأة لحديث أدبي ثري. وعند اللقاء انطلق الحوار وتفرع، متناولًا معضلة بعض المؤلفين الذين يضيقون ذرعًا بالنقد البناء الموزون بضمير الاحترام والتقدير للكاتب. وعلى امتداد أكثر من ثلاث ساعات كاملة، فُككت الرواية تفكيكًا دقيقًا، وجرى الحديث بموضوعية عن حلقتها الأقوى ومواطن الضعف والقصور فيها، والزميل يستمع بملامح تبدو عليها أمارات السرور والامتنان. وفي غمرة ذلك النقاش الممتد طلب الروائي مائدة صغيرة متعللًا بضيق وقته لتناول وجبة الغداء، لتأتي النادلة بالطعام، بينما اقتصر الطرف الآخر على كوب القهوة فقط. كلّ شيء كان يسير في عفوية المحبة وتلقائية الوجود الإنساني النبيل.

لكنّ اللحظات الحاسمة في العلاقات لا تأتي إلّا مع النهايات. بعد الأذان بساعة كاملة، أعلن الصديق فجأة رغبته في الرحيل، ونهض قائلًا بملء فيه، ”أكرمك الله“. في تلك الثواني القليلة، جثم ألم اللحظة على الصدر، وتجلت المفارقة الصارخة، فالرسالة المسبقة كانت تفيد ضمنيًا بأنه المضيف، والواقع الآن يفرض العكس تمامًا. جرت محاولة اختلاس النظر والتمتمة عن مكان النادلة للدفع، مع إشارات غير مباشرة تمنحه فرصة المبادرة، إلّا أنه، وبلا مقدمات، استأذن سريعًا للذهاب إلى دورة المياه، تاركًا الموقف بأسره على عاتق صاحبه الذي دفع الحساب بصمت، فالموقف لم يكن يحتمل عتابًا أو نقاشًا.

عند الخروج، رفع الروائي يده مودعًا إياه إلى ”لقاء آخر“، ومضى في سبيله. وفي طريق العودة، بدأت العبارة في أعماق النفس، ”أكرمك الله“. نعم، الكرم من الله وحده، فالمال ليس معيار الصداقة، بل إنّ بعض الأصدقاء قد يحصرون الصداقة في منفعة عابرة. انتهى اللقاء، وتولدت قناعة راسخة بأنّ الثقافة ليست في مجملها كتبًا تُقرأ أو روايات تُكتب، بل هي في المقام الأول ثقافة النخوة والشهامة والكرم، فإن غابت هذه القيم سقطت الأقنعة، ولم يبقَ من الثقافة إلّا حبر باهت على ورق.