آخر تحديث: 20 / 8 / 2026م - 2:57 م

الدكتورة نور الهدى الحدب.. كفاءة وطنية في طب الأطفال والعناية الحرجة

حين تجتمع الكفاءة العلمية، والخبرة الإكلينيكية، والقدرة القيادية، وروح التعليم، والطموح المستمر في طبيب واحد، فإننا نكون أمام نموذج مهني يستحق أن يُحتفى به. ومن هذه النماذج المشرّفة تبرز الدكتورة نور الهدى أحمد عايش الحدب، التي صنعت خلال سنوات مسيرة متميزة في طب الأطفال، ثم مضت بخطوات واثقة نحو أحد أدق تخصصاته وأكثرها تحديًا: العناية المركزة للأطفال.

بدأت الدكتورة نور الهدى مسيرتها الأكاديمية في كلية الطب بجامعة الملك فيصل بالأحساء، حيث حصلت على بكالوريوس الطب والجراحة عام 2015 مع مرتبة الشرف الثانية. ومنذ تلك المرحلة ظهرت ملامح اهتمامها بالتثقيف الصحي والعمل المجتمعي، فشاركت في الحملات الصحية والتوعوية، ولم تحصر مفهوم الطبيب في حدود العيادة والمستشفى، بل آمنت بأن رسالته تمتد إلى المجتمع والتعليم والوقاية.

واصلت بعد ذلك تدريبها في طب الأطفال، حتى حصلت على البورد السعودي في طب الأطفال عام 2020، بعد تجربة تدريبية ومهنية ثرية في مستشفيات الأحساء، تعاملت خلالها مع مختلف الحالات في أجنحة الأطفال والطوارئ والعناية المركزة وحديثي الولادة.

ولم تكن سنوات التدريب بالنسبة إليها مجرد مرحلة للحصول على شهادة تخصصية، بل كانت فرصة لبناء شخصية الطبيب القادر على اتخاذ القرار، والعمل تحت الضغط، والتواصل مع المرضى وذويهم، والتعاون مع الفريق الطبي متعدد التخصصات.

وقد برز جانب القيادة لديها مبكرًا؛ فتولت مسؤوليات متعددة، من بينها عملها كبيرًا للأطباء المقيمين في برنامج الأطفال وتمثيل المتدربين، ثم عضويتها في لجنة التدريب لبرنامج الإقامة، إضافة إلى توليها إدارة العيادات الخارجية، بما فيها عيادات تخصصات الأطفال وعيادات النساء والولادة.

وهذه التجارب الإدارية لم تكن منفصلة عن مسيرتها الطبية، بل أسهمت في تكوين رؤية أوسع لديها تجاه جودة الخدمة الصحية، وسلامة المرضى، وبناء فرق العمل، وتطوير السياسات والإجراءات، وتحويل الأهداف إلى برامج عملية قابلة للتنفيذ.

من طب الأطفال إلى العناية الحرجة:

اختارت الدكتورة نور الهدى بعد ذلك أن تتجه إلى مجال يحتاج إلى قدر كبير من العلم والدقة والثبات النفسي وسرعة اتخاذ القرار، وهو طب العناية المركزة للأطفال.

التحقت ببرنامج الزمالة في مدينة الملك فهد الطبية بالرياض، وخاضت ثلاثة أعوام من التدريب المكثف في وحدات العناية الحرجة الطبية والجراحية للأطفال، وتدربت ضمن بيئة عالية التخصص على التعامل مع الحالات المعقدة والحرجة.

وخلال هذه المرحلة اكتسبت خبرة واسعة في الإجراءات الدقيقة داخل العناية المركزة، ومنها التنبيب الرغامي، وتركيب القساطر الوريدية المركزية والشريانية، وأنابيب الصدر، والإنعاش المتقدم، وغيرها من الإجراءات التي يحتاج إليها طبيب العناية الحرجة بصورة يومية.

لكن العناية المركزة ليست أجهزة وإجراءات طبية فقط؛ فهي أيضًا مكان تتقاطع فيه أصعب اللحظات الإنسانية مع أكثر القرارات الطبية حساسية.

ولهذا اكتسبت الدكتورة نور الهدى خبرة مهمة في التواصل مع أسر الأطفال، ومناقشة الحالات الحرجة، والتعامل مع الأخبار الصعبة، وهي مهارات لا تقل أهمية عن المهارات الإجرائية؛ لأن الطبيب في العناية المركزة لا يعالج طفلًا فقط، وإنما يرافق أسرة بأكملها في واحدة من أصعب مراحل حياتها.

خبرة متقدمة في الإيكمو:

ومن المحطات اللافتة في مسيرتها تدريبها في مجال الأكسجة الغشائية خارج الجسم ECMO, وهو من أكثر مجالات العناية الحرجة تقدمًا وتعقيدًا.

أتاح لها التدريب التعامل مع حالات أطفال احتاجت إلى الدعم بنوعيه VA-ECMO وVV-ECMO, والمشاركة في البرامج والمحاكاة وورش العمل التطبيقية المتعلقة بالإيكمو، إلى جانب اهتمامها العلمي والبحثي بهذا المجال.

ولم يتوقف ذلك عند حدود التدريب الإكلينيكي؛ فقد شاركت في بحث تناول ممارسات وتحديات الإيكمو لدى الأطفال في المملكة العربية السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، ونُشر عام 2024، كما قُدم ضمن مؤتمر SWAAC ELSO في أبوظبي عام 2025.

وهذا الجمع بين الممارسة السريرية والبحث العلمي يمثل أحد الجوانب المهمة في شخصية الطبيب المتخصص؛ فالممارسة تعطي الباحث أسئلته الحقيقية، والبحث يعيد إلى الممارسة إجابات أكثر دقة ونضجًا.

طبيبة ومعلمة:

ومن الجوانب الجميلة في مسيرة الدكتورة نور الهدى اهتمامها الواضح بالتعليم الطبي.

فهي مدربة في برنامج الإنعاش المتقدم للأطفال PALS, وشاركت في تعليم الأطباء المقيمين وطلبة الطب، وفي برامج المحاكاة الطبية وقيادة سيناريوهات الMock Codes, إضافة إلى المشاركة في المحاضرات والJournal Clubs والأنشطة العلمية داخل فرق العناية المركزة.

وهذه القدرة على نقل المعرفة لها قيمة خاصة؛ لأن الطبيب المتميز لا يقاس فقط بما يعرفه أو بما يقدمه لمرضاه، وإنما كذلك بما يستطيع أن يزرعه من علم ومهارة في الأطباء الذين يعملون معه ويتدربون على يديه.

حضور في البحث والعمل المجتمعي:

تضم مسيرتها كذلك مشاركات بحثية متنوعة شملت موضوعات في العناية المركزة والإيكمو، والحماض الكيتوني السكري ومضاعفاته العصبية، وحالات سريرية نادرة، إضافة إلى موضوعات مرتبطة بأمراض الدم لدى الأطفال.

كما شاركت في المبادرات التطوعية والتوعوية، ومنها العمل خلال جائحة كورونا، وحملات التوعية بالسرطان، والبرامج الصحية المجتمعية.

وهذا التنوع يعكس فهمًا واسعًا لرسالة الطبيب: يعالج، ويعلّم، ويبحث، ويقود، ويخدم مجتمعه.

عودة الخبرة إلى الأحساء:

بعد رحلة التدريب التخصصي، عادت الدكتورة نور الهدى إلى الأحساء وهي تحمل معها خبرة نوعية في العناية الحرجة للأطفال، لتعمل استشارية للعناية المركزة للأطفال في مستشفى الملك فيصل بالهفوف، وتتولى كذلك مسؤولية نائب رئيس قسم العناية المركزة للأطفال.

وهنا تكتسب الرحلة معنى آخر؛ فالمعرفة التي تُكتسب في المراكز المتقدمة تصبح أكثر قيمة عندما تعود إلى المجتمع لتسهم في تطوير الخدمات المحلية، ورفع كفاءة الفرق الطبية، وتعزيز سلامة المرضى، وتدريب الأجيال الجديدة من الأطباء.

إن وجود كفاءات وطنية مؤهلة في التخصصات الدقيقة لا يمثل إنجازًا شخصيًا للطبيب وحده، وإنما يشكل إضافة حقيقية للمنظومة الصحية بأكملها.

نور الهدى.. مسيرة علمية إكلينيكية رائدة:

إن الحصول على الزمالة السعودية في العناية الحرجة للأطفال عام 2026 ليس نهاية رحلة الدكتورة نور الهدى الحدب، وإنما محطة جديدة في مسيرة تبدو ملامحها واعدة.

فهذه الشهادة هي نتيجة سنوات من المناوبات الطويلة، والحالات الحرجة، والقرارات الصعبة، والتدريب، والقراءة، والمحاكاة، والإجراءات الطبية الدقيقة، والبحث العلمي، والتعليم، والتعامل الإنساني مع الأطفال وأسرهم.

وما يميز هذه المسيرة أنها لم تُبنَ في اتجاه واحد؛ فقد جمعت بين التميز الإكلينيكي، والقيادة، والتعليم، والبحث، والعمل المجتمعي.

ومن حقنا أن نفخر بمثل هذه الكفاءات الوطنية، وبخاصة حين تكون من بنات الأحساء اللواتي أثبتن حضورهن العلمي والمهني في تخصصات طبية دقيقة، ثم عدن ليسهمن بعلمهن وخبرتهن في خدمة أطفال المحافظة وأسرهم.

مبارك للدكتورة نور الهدى الحدب هذا الإنجاز المستحق، ومبارك لها مسيرة صنعتها بالعلم والاجتهاد والمثابرة.

نسأل الله أن يبارك في علمها وعملها، وأن يجعل على يديها شفاءً للأطفال وطمأنينةً لأسرهم، وأن يفتح أمامها أبوابًا أوسع في العلم والقيادة والعطاء.

فالأوطان لا تنهض بالمؤسسات وحدها، وإنما بالكفاءات التي تمنح هذه المؤسسات علمها، وخبرتها، وإخلاصها، وإنسانيتها.

استشاري طب أطفال وحساسية