آخر تحديث: 20 / 8 / 2026م - 2:57 م

حين يصنع العطر ذاكرة لا تنسى

باسم آل خزعل

لم أكن أظن أن ورشة عمل عن صناعة العطر يمكن أن تفتح في الذاكرة بابًا ظل مواربًا لسنوات طويلة، أو أن قطرة من زيت عطري قادرة على أن تعيدني، في لحظة واحدة، إلى بيت الطفولة بكل تفاصيله، إلى رائحة الجدران، والأثاث، وغرفة النوم، والمطبخ، وحتى إلى تلك الروائح الصغيرة التي لم نكن نعرف قيمتها آنذاك، لكنها بقيت في الذاكرة أكثر مما بقيت الصور.

وجدت نفسي في إحدى ورش العمل التي تحمل عنوانًا يبدو للوهلة الأولى بسيطًا، «بصمتك العطرية».

لكن العطر، كما اكتشفت، ليس مجرد مزيج من زيوت وروائح، ولا قارورة أنيقة توضع على الرف. العطر حكاية، والذاكرة أحد مكوناته الخفية.

ما إن بدأت الروائح تتسلل إلى حاسة الشم، حتى وجدتني أعود إلى سنوات الطفولة. هناك، في البيت القديم، كانت الأشياء مختلفة تمامًا؛ فرائحة الأثاث لها حضورها، ورائحة المطبخ لها حكايتها، والسجاد والجدران يحتفظان برائحة لا تشبهها رائحة أخرى.

وفي حديقة بيتنا الخارجية، كانت الحياة أكثر سخاء، شجيرات الورد الجميلة، ذات اللونين الأصفر والأبيض، وفاكهة السبستان أو البامبو «البمبر»، والليمون، وشجرة السدر «الكنار»، والمانجو، وحتى رائحة الطماطم التي كانت تنبعث من الحديقة، كلها كانت تشكل عطرًا طبيعيًا لا يُباع في الأسواق ولا يمكن لأحد أن يقلده.

كنت أتسلق الأشجار، أصل إلى أعاليها، ثم أستريح على جذوعها وكأنني أملك العالم من هناك. ولم تكن حاسة الشم تخذلني أبدًا؛ فما زالت تلك الروائح، بعد كل هذه السنوات، قادرة على أن تقول لي: هنا كانت طفولتك.

كنت أتنقل بين الأشجار أسقيها، وبين نخلة الإخلاص والغُرّة، وبعض الفسيلات الصغيرة التي لم تكن ترحمني من سليلاتها الحادة، وكأن الأشجار نفسها كانت تترك لي تذكارًا من طفولتي.

لم أكن أعرف وقتها أنني كنت أعيش أجمل مختبر للعطور، وأن الطبيعة كانت تصنع لي روائح ستبقى في الذاكرة أكثر من أي عطرٍ فاخر.

ثم جاءت لحظة أخرى في الورشة، أكثر غرابة.

مصادفةً، مرَّ بأنفي أحد الزيوت العطرية، فإذا بي لا أعود إلى الحديقة، بل إلى غرفة طوارئ في مستشفى.

عاد إلي لون السيراميك الأبيض، وتلك الإضاءة القوية، ورائحة المعقمات، وصوت الحركة من حولي، وظهر في الذاكرة أحد الممرضين وهو يسعف يدي بعد حرق مؤلم من جراء انسكاب دلة شاي ساخنة.

وعاد أيضًا وجه عمي المرحوم، وهو يسارع بي إلى المستشفى لإنقاذ يدي وعلاج الحرق.

لحظات قليلة من استنشاق رائحة، فإذا بالزمن يتراجع سنوات إلى الوراء. هنا أدركت أن الأنف قد يكون أرشيفًا لا يقل دقة عن الذاكرة.

نحن ننسى كلمات كثيرة، وننسى تواريخ وأسماء وأماكن، لكن رائحة واحدة قد تفعل ما تعجز عنه عشرات الصور؛ تفتح بابًا مغلقًا في الذاكرة، وتعيد إلينا أشخاصًا رحلوا، وأماكن تغيّرت، وأيامًا لن تعود.

ومن هنا بدأت أفهم أن صناعة العطر ليست مجرد عملية تركيب روائح جميلة؛ إنها علم وفن وذاكرة.

فالورشة التي حضرتها لم تكن مجرد تجربة لصناعة عطرٍ يناسب الذوق الشخصي، بل كانت نافذة صغيرة على عالم بالغ التعقيد، عالمًا يحتاج إلى معرفة دقيقة بخصائص الزيوت، ونسب التركيب، وتدرج الروائح، وتفاعلها، ومعامل مخبرية، وأدوات تبخير واستخلاص، وحسابات دقيقة حتى تصل النتيجة إلى ذلك التوازن الذي يجعل العطر قادرًا على أن يترك بصمة وأثرًا دون أن يطغى.

وهنا يكمن سر العطور التي تأخذنا إلى عوالم مختلفة.

فالعطر الجيد لا يمر على الحواس مرورًا عابرًا؛ إنه يلامس شيئًا أعمق. قد يمنحك شعورًا بالثقة، أو يذكرك بشخص تحبه، أو يعيدك إلى مكان ظننت أنك نسيته، أو يأخذك في رحلة قصيرة إلى زمن لم يعد موجودًا إلا في داخلك.

ولعل أجمل ما في العطر أنه لا يصف لك الماضي، بل يعيدك إليه.

قد يمر الإنسان أمام صورة قديمة فلا يشعر بشيء، ثم تصادفه رائحة منسية، فإذا بقلبه يسبق ذاكرته إلى المكان.

لهذا ربما تنجح دور العطور الكبرى في صناعة تلك التجربة المدهشة، فهي لا تبيع رائحة فقط، وإنما تصنع إحساسًا، وتبني هوية، وتترك توقيعًا لا يُرى، لكنه يُدرَك فورًا.

فكم من شخص عرفناه من عطره قبل أن نراه، وكم من مكان بقي في ذاكرتنا لأن له رائحة خاصة، وكم من إنسان غاب عن أعيننا، لكنه ما زال حاضرًا فينا كلما مرت بنا رائحة تشبهه.

كانت ورشة «بصمتك العطرية» رحلة في عالم العطور لاكتشاف الذات وفهم التركيبات وصناعة البصمة العطرية، التي قدّمتها الأستاذة فاطمة خليل، خبيرة تركيب العطور والبخور، بالنسبة لي أكثر من مجرد تجربة تعليمية.

كانت رحلة قصيرة في عالم العطور، لكنها كانت أيضًا رحلة أطول بكثير في عالم الذاكرة.

خرجت من الورشة وأنا أفكر في سؤال بسيط: هل نحن من نصنع العطر، أم أن العطر هو الذي يصنع في داخلنا ذاكرةً جديدة؟ سبحان الله.

ربما لا نملك الإجابة، لكنني أعرف الآن أن قارورة صغيرة قد تحمل في داخلها بيتًا قديمًا، وشجرة ليمون، ووردة، ونخلة، وطفلًا يتسلق شجرة، ودلة شاي ساخنة، وغرفة طوارئ، ويدًا صغيرة تحاول أن تتعافى، ووجهَ قريبٍ رحل وبقي أثره.

وهذا هو سحر العطر الحقيقي: أن تدخل رائحةُ قطرةٍ إلى أنفك، فتخرج منها حكاية كاملة من قلبك.

الشكر للأستاذة فاطمة خليل على هذه التجربة الثرية، ولتجمع الرواد الثقافي لتنظيم المعارض والمؤتمرات على تنظيم هذه الورشة الجميلة التي لم تعلمنا كيف نصنع عطرًا فحسب، بل ذكّرتنا بأن أجمل العطور هي تلك التي لا تُشمّ فقط، بل تُعاش.