الدولار
مسمى الدولار يُطلق اسمًا على العملة الأمريكية والكندية والسنغافورية والأسترالية، وعملة جزيرة هونج كونج وجزيرة سنغافورة وجزيرة تايوان. وهناك بالمجمل خمسة وعشرون دولة تستخدم كلمة دولار للإشارة إلى عملتها الوطنية. وكلمة دولار أصلها ألماني Thaler من إقليم ألماني، والإقليم حاليًا ضمن دولة التشيك، بحسب مصادر رقمية متنوعة.
ومع تداول الكلمة وتحويرها في مناطق التجارة في القرن الخامس عشر، مثل هولندا، تم نطقها Daalder, وفي مناطق انتشار اللغة الإنجليزية تم نطق اسم العملة Dollar للإشارة إلى سكة الفضة الأنقى أيامذاك. ولاحقًا تم اعتماده كمسمى بعد انبثاق دولة أمريكا في القرن الثامن عشر الميلادي. والدولار لا بد من تحديد الصفة والموصوف عند إجراء العقود التجارية بكل أنواعها؛ لتفادي الالتباس والنزاعات التجارية. فمثلًا جملة دولار أمريكي ورمزه US$، ودولار كندي ورمزه C$، ودولار سنغافوري ورمزه S$، ودولار تايواني ورمزه NT$، بنمط وصفي محدد لأي نوع من العملات وبالضبط. الرمز $ أصله إسباني، حيث دُمج اختصارًا من قِبل التجار أثناء القيد بدفاترهم القديمة لكلمتي Spanish peso واختصارهما PS. وهناك نظرية أخرى للرمز تسمى «أعمدة هرقل» للإشارة إلى مضيق جبل طارق الحيوي وأثره في التجارة أيام الممالك الإسبانية في العصور السابقة. وتم لاحقًا أيضًا تبنيه من الكونغرس عند إطلاق العملة الأمريكية. والدولار، كعملة أي دولة أخرى، يحمل قصة اقتصادات؛ إحداها امتداد لإمبراطورية منقرضة «البريطانية»، أو قصة اقتصاد دول عظمى قائمة. أضحت العملة الوطنية لأي بلد رمزًا لقوة البلاد ومتانة اقتصادها ورصانة استقرارها ونموها وتقدمها ورخائها وقوة جاذبيتها للاستثمار وتنوع مواردها وكثرة تدفق الإيداعات في بنوكها ثقةً بعملتها، ورصانة التعامل بها، وحجم الثقة فيها. والعكس صحيح.
قبل فترة أكثر من عشر سنوات تقريبًا، كان سعر الدولار الكندي في صعود حتى جذب عددًا كبيرًا من المودعين والمستثمرين بالعملات، لتجاوز سعر صرفه سعر الدولار الأمريكي ببضع سنتات. خلال السنوات الخمس الأخيرة، فقد الدولار الكندي من قيمته تدريجيًا ما يعادل 17% أمام الدولار الأمريكي. فهرع وما زال يهرع المستثمرون هروبًا منه والتخلص من مخزونه. وانطلق لاحقًا نجم الدولار الأسترالي وتصاعد، فسارع وتسارع المستثمرون بشرائه، ثم خفت ضوءه.
الآن الأعين منصوبة على الدولار الأمريكي وتذبذباته المتسارعة أمام المعدن الأصفر، حتى مع إثقال كاهله بالعجز الكبير في المديونية المتراكمة عليه، والتي تخطت الحدود الحمراء كما وصفها بعض المراقبين الماليين العالميين. فالإقبال والإدبار للمستثمرين على العملات الصعبة «الدولار الأمريكي/ الجنيه الإسترليني/ اليورو… إلخ» بين صعود وهبوط محسوب بالدقائق واللحظات. وسعيًا مستميتًا منهم للحفاظ على القوة الشرائية لأموالهم وتحقيق التوازن لتخطي حاجز التضخم وتحقيق نمو معقول وحفظ المدخرات، فإنهم يتقلبون ليل نهار من عملة إلى أخرى، ومن سوق إلى أخرى، ومن معدن نفيس إلى آخر، ومن صندوق لصندوق، ليس لأجل المتعة، ولكن لحراسة المال من التناقص والتآكل. وهنا أتذكر كلمة للإمام علي بن أبي طالب
: «يا كميل، اعلم بأن العلم يحرسك، وأنت تحرس المال».
لماذا لا يشعر أو يستشعر الكثير من أبناء مجتمعات معينة بمثل هذه الأمور عن عالم الاقتصاد وتقلب أسعار العملات إلا بعد وقوع الرأس بالفأس؟
المجتمعات المنغلقة، أو التي حبست نفسها في زوايا محددة، لا تواكب المتغيرات المتسارعة في عالم الاقتصاد، ووظفت نعمة المعرفة الرقمية في سفاسف الأمور ومهالك الاحتراب، أو متابعة أخبار الفنانات وإشباع فضول متابعة أحداث المناوشات الكلامية الدرامية. كم كنت أتمنى أن يكون هناك تبنٍّ للنوابغ من أبناء المجتمع ذاته في الرياضيات لدراسات اقتصادية عليا متخصصة «دكتوراه في الاقتصاد» في مجالات إدارة الثروة المالية وحفظها لتلك المجتمعات، بدل الاعتماد على الآراء الشخصية وأخبار بالية من مجالس ومنتديات وديوانيات ومنصات اجتماعية. تخيل أن تلج سوقًا به أكثر من عشرة آلاف دلال سيارات، ولا أحد منهم ميكانيكي! وتخيل خمسة آلاف سمسار عقاري، ولا أحد منهم يحمل شهادة أكاديمية عن إدارة الأصول العقارية. فهل هذا معقول؟
لعل من الحكمة حسن الاستفادة من الفضاء الرقمي للتثقيف المالي والاقتصادي والريادي والتجاري والعلمي والصحي. إلا أنه، ومع شديد الأسف، هناك مجاميع فاشلة همها نشر الإحباط والسادية في التهكم على كل مشارك فعال بصورة نافعة، أو بوست مفيد، أو مقالة رصينة، أو معلومة قيمة. فتكون الثقافة والمثاقفة من أي نوع مع من يتصيد الأخطاء أو يتفلسف أو يحشر روحه في تفاصيل سخيفة وأسئلة مستفزة بمثابة إبرة شلل للمشاركات الفعالة النافعة… وهناك أيضًا نطاق التفاعل السلبي آخذ في التمدد داخل بعض المجتمعات المتشائمة.
إطلاق بالونات اختبار لفرز من يحب الخير ممن يتصيد الهفوات أو يتقول كيدًا أو يحطم الفاعلين هو أفضل حل لاتخاذ قرار الاستمرار من عدمه، أو تجميد المشاركات، أو الاكتفاء بوضعية متفرج، أو التفاعل مع من يستحق التفاعل معه.
لنتذكر، أنا وغيري، بأنه في حالة وجود أي مجتمع / حمولة / أصدقاء / زملاء عمل / أولاد حارة / ملتقى زملاء يريدون أن يخرجوا من التيه / الجمود / المشاكل / التحديات التي يعيشونها، فإنهم مطالبون بأن يشغلوا جل أوقاتهم بالمفيد والقول النافع والبحث عن حلول، وتجنب التحلطم والعتب والتندر وجلد الذات، والتركيز على ما يعنيهم وما ينفع وما يطور، وترك ما لا يغني ولا يسمن من جوع.
تاريخ العملات يروي قصص إمبراطوريات، والآن الدولار يروي قصة دولة عظمى.














