آخر تحديث: 20 / 8 / 2026م - 2:57 م

دفء لا يغيب

عن الأمومة والمزايدة العاطفية

مريم آل دهنيم

دفء الشتاء والصيف

قد يزعجنا هجير الشمس في أيام الصيف، لكن ثمة دفء لا يُمَلُّ منه أبدًا، ولا يتغير بتغيّر الفصول؛ إنه دفء الأمومة. هي التي تعطي بلا حدود ودون انتظار مقابل، صمام الأمان، ونبع الرعاية الصافي، والزهرة التي تتلون بأجمل الألوان وتفوح بأزكى العطور لتملأ الحياة أُنْسًا وسلامًا

خلق الله الإنسان ومزج كيانه بمشاعر شتى؛ بين فرح وألم، وضعف وقوة، غير أن أعظم هذه المشاعر قاطبة هما الأمان والحب، وقد اختص الله المرأة والأم بالقسط الأوفر من هذا الحنان الفياض

غريزة البطولة الصامتة

إن الخوف والانكماش لحماية الصغار الضعفاء الذين هم قطعة من كبدها ليس مجرد سلوك عابر، بل هو غريزة بشرية أصيلة، ورد فعل عصبي ونفسي لا إرادي يتجلى في أبهى صور الفداء

في عمل بطولي خارق، انكمشت إحدى الأمهات أثناء حدوث زلزال مدمر فوق أطفالها، متجاهلة حطام الحجارة وخطورة الموقف، غير مكترثة لروحها ولا لجسدها، بل كان همها الوحيد أن تفصل بين الخطر وبين أطفالها. وما إن سكنت الأرض وانتهى الزلزال، حتى خرج الصغار من تحت جناحيها سالمين، لم يمسسهم سوء جسدي ولا فزع نفسي؛ فقد كان احتواؤها وحبها العظيم سياجًا يحميهم. ولكن، حين التفوا حولها، كانت روحها الطاهرة قد فاضت إلى بارئها، بعد أن أدّت رسالة أمومتها على أتم وجه، وأثبتت أن الاحتضان الغريزي قد يكلف الأم روحها، لكنه يمنح أبناءها الحياة

آفة المزايدة وهوس الأفضلية

إلى هنا، تُسَجَّل القصة كملحمة تضحية تثبت نبل الفطرة الإنسانية. غير أن المحزن والمثير للدهشة هو ما يتبع مثل هذه الأحداث أحيانًا؛ إذ تخرج إحدى السيدات ببرود لتلقي بكلمات تطفح بالمزايدة

”أنا الأفضل! لقد كنت في الزلزال، واحتضنت أطفالي، وقرأت الأدعية، ولم أستسلم كما فعلت غيري!“

هل وصلت المزايدة العاطفية والدينية حتى إلى لحظات الموت والقدر؟ هل يُعقل أن يبلغ الجهل ببعضهم حد الاعتقاد بأنهم بأفعالهم قادرون على دفع القدر المحتوم أو اختيار طريقة موتهم؟ أم أنه هوس الظهور وحب المديح والبحث عن الأفضلية حتى على حساب دماء الضحايا وآلامهم؟

إنها آفة سلوكية مقيتة؛ فكلما سمع بعضهم عن معاناة غيره أو مأساته، ظن أن الأمر ميدان لاستعراض البطولة أو اقتطاع دور البطولة بأي ثمن، متجاهلين تفرد كل تجربة، وحرمة قدر الله في عباده

تبقى الأمومة أسمى من أن تُختزل في منافسات جوفاء، وأجلّ من أن تُستغل للمباهاة

أمي يا ملاكي يا حبي الباقي إلى الأبد
ولا تسألني عن مدى حبي فلا أدري أحد

تراني في ذراعيها كأني كل ما ملكت
وتطعمني وتسقيني وتؤثرني على الجسد

- الأبيات للشاعر كريم العراقي