آخر تحديث: 19 / 8 / 2026م - 2:52 م

في ذكرى رحيل العالم الأحسائي الشيخ محمد باقر بو خمسين

في مثل هذا اليوم، الخامس من شهر ربيع الأول سنة 1413 هـ، رحل عن الدنيا واحد من أعلام العلم والفقه والأدب في الأحساء، العالم الفاضل الشيخ محمد باقر بن الشيخ موسى بن عبد الله بو خمسين، بعد حياة حافلة بالعلم والتعليم والتأليف وخدمة المجتمع.

وُلد الشيخ محمد باقر بو خمسين، قدّس سرّه الشريف، في مدينة الهفوف بالأحساء سنة 1333 هـ، الموافق سنة 1912 م، ونشأ في بيت علم وفضل، فكان والده الشيخ موسى بو خمسين من كبار علماء عصره، وفي هذه البيئة العلمية تفتحت مداركه، واتجه منذ صغره نحو طلب العلم والمعرفة.

بدأ تعليمه في الكتاتيب، وأظهر نبوغًا مبكرًا، ثم كانت المحطة الكبرى في حياته العلمية عندما غادر الأحساء سنة 1348 هـ برفقة أخيه الأكبر الشيخ جواد متوجهًا إلى النجف الأشرف، حاضرة العلم ومهوى أفئدة طلاب العلوم الدينية.

وفي النجف بدأ مرحلة طويلة من التحصيل العلمي امتدت قرابة خمسة وثلاثين عامًا، درس خلالها المقدمات على الشيخ حسين الخليفة، ثم ارتقى إلى دراسة السطوح على عدد من العلماء، منهم السيد محمد بن السيد حسين العلي السلمان، والشيخ عباس الرميثي، والشيخ محمد طاهر الخاقاني، والشيخ محمد جواد الجزائري، والسيد محمد باقر الشخص.

ثم بلغ مرحلة البحث الخارج، فحضر أبحاث عدد من كبار مراجع وعلماء النجف، ومن أبرزهم السيد محمد باقر الشخص، والسيد محسن الحكيم، والسيد أبو القاسم الخوئي.

ولم يكن الشيخ محمد باقر بو خمسين متلقيًا للعلم فحسب؛ بل مارس التدريس بالتزامن مع دراسته، فدرّس المقدمات وبعض كتب السطوح، ليجمع منذ وقت مبكر بين التحصيل والعطاء العلمي.

مجلس للعلم والأدب:

كان للشيخ حضور ثقافي وأدبي متميز إلى جانب مكانته العلمية والفقهية. وقد عُرفت داره في النجف بندوة كانت تُعقد كل ليلة خميس، يلتقي فيها الفضلاء والمحصّلون والأدباء، ويتداولون قضايا العلم والفكر والأدب.

وهذه الصورة تكشف جانبًا مهمًا من شخصيته؛ فقد كان عالمًا ذا اهتمامات واسعة، لم يحصر نفسه في دائرة الفقه وحده، بل انفتح على الأدب والتاريخ والفكر والثقافة، وهو ما يظهر جليًا في تراثه ومؤلفاته.

العودة إلى الأحساء:

بعد نحو خمسة وثلاثين عامًا قضاها في النجف الأشرف، عاد الشيخ إلى وطنه الأحساء، محمّلًا بالعلم والتجربة، حاملًا وكالات من عدد من مراجع عصره، بما يعكس ما بلغه من مكانة وثقة في الوسط العلمي.

وبدأت بعد عودته مرحلة أخرى من العطاء؛ فأمّ الناس في صلاة الجماعة، وعلّمهم الأحكام الشرعية والمعارف الدينية والأخلاق الفاضلة، وأسهم في معالجة المشكلات الاجتماعية وقضاء حوائج الناس.

وكان من مساعدي السيد محمد العلي، قدّس سرّه، في شؤون القضاء، وبعد وفاة السيد العلي تولّى الشيخ محمد باقر بو خمسين منصب القضاء، فقام بهذه المسؤولية، جامعًا بين العلم الشرعي ومعرفة المجتمع والحكمة في معالجة قضاياه.

عالم موسوعي كثير التأليف:

ومن أبرز ما يميز الشيخ محمد باقر بو خمسين تنوع إنتاجه العلمي والثقافي. فلم تقتصر مؤلفاته على الفقه والأصول، بل امتدت إلى القرآن والعقيدة والتاريخ والأدب والشعر والتراجم والنقد.

ومن مؤلفاته:

«أثر التشيع في الأدب العربي»، و«أخلاق القرآن»، و«الأمين الهادي والهداة من أهل بيته»، و«الدرر الغرر في الأئمة الاثني عشر»، و«لماذا نقدس القرآن»، إضافة إلى أبحاثه في الكفاية التي قرر فيها أبحاث أستاذه السيد محمد باقر الشخص.

وفي التاريخ والتراث كتب «علماء هجر وأدبائها»، و«هجر في مراحل التاريخ»، و«القرامطة في التاريخ»، وهي عناوين تكشف اهتمامه بتاريخ الأحساء وهجر ورجالاتها وتراثها.

ومن مؤلفاته الأخرى ديوانه «نغماتي»، إلى جانب «المجموع الأدبي» و«مختارات» و«نظرات في الكتب والصحف» و«كشكول الهجري» و«الكشكول الصغير» و«اختيارات واختبارات»، فضلًا عن كتابه في أدعية شهر رمضان.

إن هذا التنوع اللافت في مؤلفاته يرسم صورة عالم موسوعي لم تكن المعرفة لديه جزرًا منفصلة؛ بل كان الفقه والتاريخ والأدب والقرآن والفكر أجزاء من مشروع ثقافي واحد.

الرحيل إلى جوار أئمة البقيع:

وفي ليلة الجمعة، الخامس من شهر ربيع الأول سنة 1413 هـ، انتهت رحلة الشيخ محمد باقر بو خمسين في هذه الدنيا.

نُقل جثمانه الطاهر إلى الأحساء، حيث صلى عليه نجله الشيخ حسن بو خمسين، ثم صلى عليه ثانية السيد كاظم العلي، وبعد ذلك نُقل جثمانه إلى المدينة المنورة، ليوارى الثرى ليلة السبت في مقبرة البقيع، بجوار أئمة البقيع .

رحل الشيخ محمد باقر بو خمسين جسدًا، لكن العالم لا تنتهي حياته عند لحظة الوفاة؛ فما بثّه من علم، وما ألّفه من كتب، وما علّمه لتلامذته، وما تركه في مجتمعه من أثر، يتحول إلى حياة أخرى تمتد بعد الرحيل.

وفي ذكرى وفاته، تستعيد الأحساء سيرة واحد من علمائها الذين جمعوا بين الحوزة والمنبر العلمي، وبين الفقه والأدب، وبين التأليف وخدمة الناس، وبين الانتماء إلى الوطن والانفتاح على آفاق المعرفة.

رحم الله الشيخ محمد باقر بو خمسين، وقدّس سرّه الشريف، وجزاه عن العلم وأهله وعن الأحساء وأبنائها خير الجزاء، وحشره مع النبي محمد وآله الطاهرين، وجعل ما خلّفه من علم وتراث في ميزان حسناته.

استشاري طب أطفال وحساسية