الوعي… حين يُحوّل الإحراج إلى انتصار
قد لا تكون أصعب المواقف التي يواجهها الإنسان في حياته تلك التي تتطلب منه إجابة صحيحة، وإنّما تلك التي يُراد له فيها أن يُحرج أمام الآخرين. ففي المجالس العامة، أو الديوانيات، أو المناسبات الاجتماعية، قد يتعمد أحد الحاضرين توجيه سؤال إلى شخصٍ عُرف بعلمه أو خبرته، لا طلبًا للمعرفة، بل رغبةً في اختباره أمام الناس، أو التقليل من شأنه، أو إسقاط هيبته. وحينها لا يكون الامتحان الحقيقي في مقدار العلم، وإنّما في مقدار الوعي.
فالإنسان الواعي لا ينشغل بالإجابة قبل أن يقرأ نية السائل. فهو يدرك أنّ بعض الأسئلة لا تبحث عن الحقيقة، وإنّما تبحث عن الانفعال، وأنّ بعض المحاورين لا يريدون الوصول إلى المعرفة، بل يريدون أن ينتصروا لأنفسهم ولو على حساب الأدب.
وقد نبّه القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ [الحج: 8]. فالجدال المذموم ليس اختلافًا في الرأي، وإنّما هو جدال تُحرّكه الأهواء، ويغيب عنه قصد الوصول إلى الحق.
ومن هنا يبدأ الوعي؛ إذ يفرّق صاحبه بين مَنْ يسأل ليتعلّم، ومَنْ يسأل ليحرج. فإذا أدرك المقصد، استطاع أن يختار الرد المناسب، فلا يمنح المستفز ما ينتظره من ارتباك أو غضب. ولهذا رسم القرآن منهجًا خالدًا في التعامل مع أهل الاستفزاز، فقال سبحانه: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]. فهذه الآية لا تدعو إلى الضعف، وإنّما إلى قوة النفس؛ لأنّ الإنسان الذي يملك انفعالاته لا يستطيع أحد أن يهزمه.
وليس من الحكمة أن يظن المرء أنّه مطالب بالإجابة عن كل سؤال. فكم من جوابٍ أفسد صاحبه لأنّه قيل في غير موضعه، وكم من صمتٍ رفع صاحبه لأنّه كان في وقته المناسب. ولذلك قال أمير المؤمنين الإمام علي
: ”إذا تمّ العقل نقص الكلام“، وقال أيضًا: ”لكل مقامٍ مقال“. فالعاقل لا يتحدث ليُثبت أنّه يعلم، وإنّما يتحدث حين يكون للكلمة أثرٌ وفائدة.
بل إنّ الاعتراف بعدم المعرفة في بعض المسائل هو من كمال العلم، لا من نقصه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 76]. وروي عن الإمام جعفر الصادق
: ”إذا سُئل العالم عن شيءٍ لا يعلمه، فليقل: الله أعلم“. فالثقة بالنفس لا تعني ادعاء الإحاطة بكل شيء، وإنّما تعني الصدق مع النفس والناس.
ومن أرقى صور الوعي أن يتحوّل الإنسان من موقع الدفاع إلى موقع إدارة الحوار. فبدل أن يستعجل الإجابة، يمكنه أن يسأل بهدوء:
هل تقصد الاستفادة من السؤال، أم أنّ لديك وجهة نظر ترغب في مناقشتها؟
أو ما الذي دعاك إلى هذا السؤال؟
عندها يتحوّل ميزان الحوار، ويصبح الجميع ينظر إلى مقصد السائل قبل أن ينظر إلى جواب المسؤول، فينكشف صاحب النية السيئة دون خصومة أو إساءة.
ولعل مدرسة الإمام الحسين
في كربلاء تقدم أسمى النماذج في التعامل مع الاستفزاز بالحكمة والوعي. فقد تعرّض الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه
لألوانٍ من الاستفزاز النفسي قبل اندلاع القتال، ومع ذلك لم يخرجوا عن حدود الأخلاق، ولم يسمحوا لخصومهم بأن يفرضوا عليهم أسلوبهم.
وقف الإمام الحسين
يخاطب جيش عمر بن سعد بالحجة والمنطق، فقال: ”ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين: بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة…“. لم يكن ذلك خطابًا انفعاليًا، بل كان إعلانًا للمبدأ، وإقامةً للحجة، وإيقاظًا للضمائر قبل أن تُرفع السيوف. لقد أراد الإمام الحسين
أن يعلم الأجيال أنّ صاحب الرسالة لا يستفزه الباطل، بل يواجهه بثبات الكلمة قبل قوة السلاح.
ويبرز موقف آخر لا يقل عظمة، حين اعترض الحر بن يزيد الرياحي
طريق الإمام الحسين
. فبدل أن يقابله بالإهانة أو التشفي، أمر الإمام الحسين
أصحابه أن يسقوا الحر
وجنوده الماء رغم ما كانوا يحملونه من عداوة. لقد غلبت أخلاق الرسالة منطق الخصومة، حتى كانت تلك المعاملة الإنسانية من الأسباب التي هزّت ضمير الحر
، فتاب وعاد إلى الحق، ونال شرف الشهادة بين يدي الإمام الحسين
. وهكذا أثبت الإمام الحسين
أنّ الوعي لا يسعى إلى كسر الإنسان، بل إلى إحياء ضميره.
أمّا المشهد الذي يُعد من أعظم الدروس في تحويل الإحراج إلى انتصار، فهو ما جرى للإمام علي بن الحسين زين العابدين
في مجلس يزيد بن معاوية. فقد أُدخل الإمام السجّاد
أسيرًا مع أهل بيته
في مجلس أراد يزيد أن يجعله احتفالًا بالنصر ومنصة لإذلال آل محمد ﷺ. وكانت كل الظروف توحي بأنّ الإمام زين العابدين
في أضعف حالاته.
لكنّ الوعي لا يعرف الهزيمة. فقد طلب الإمام السجّاد
الإذن بالكلام، ثم ارتقى المنبر، ولم يبدأ بالدفاع عن نفسه، بل عرّف الناس بحقيقة أهل البيت
، فقال: ”أيها الناس، أُعطينا ستًا، وفُضّلنا بسبع…“، ثم أخذ يقول: ”أنا ابن مكة ومنى… أنا ابن زمزم والصفا… أنا ابن محمد المصطفى…“. وما إن مضى في خطبته حتى تبدّلت أجواء المجلس، وتعالت أصوات البكاء، وشعر يزيد بأنّ كلمات الإمام زين العابدين
تهدم ما بناه بالسيف، فاضطر إلى قطع الخطبة برفع الأذان.
لقد حاول يزيد أن يضع الإمام زين العابدين
في موضع الإحراج، فإذا بالإمام السجّاد
يجعل من منصة الإذلال منبرًا للحق، وينقل الحرج من نفسه إلى خصمه. إنّه درس خالد في أنّ الوعي لا يحتاج إلى صراخ، ولا إلى إساءة، ولا إلى انتقام، وإنّما يحتاج إلى ثقة بالله، ورباطة جأش، وحسن اختيار الكلمة.
ولهذا قال أمير المؤمنين
: ”رأس العقل مداراة الناس“، وقال أيضًا: ”ثمرة العقل حسن المداراة“. فالمداراة ليست ضعفًا، وإنّما هي فن إدارة المواقف بما يحفظ الكرامة ويُبقي للحوار قيمته.
إنّ الإنسان الواعي لا يسمح لأحد أن يقوده إلى معركة لم يخترها، ولا يجعل كرامته رهينة برأي الآخرين أو محاولات المتطفلين. فهو يعلم أنّ قيمة الإنسان ليست في سرعة الرد، ولا في كثرة المعلومات، وإنّما في رجاحة العقل، وسعة الصدر، وحسن الخلق.
ولذلك، فإنّ كل مجلس نتعرض فيه لسؤال يُقصد به الإحراج هو فرصة جديدة لنستحضر مدرسة كربلاء؛ مدرسةٍ علّمتنا أنّ الكلمة الواعية قد تهزم الاستفزاز، وأنّ الأخلاق قد تُربك الباطل أكثر مما تربكه المواجهة، وأنّ الإنسان حين يملك نفسه، ويزن كلماته بميزان الحكمة، فإنّه لا يحفظ كرامته فحسب، بل يترك في نفوس الحاضرين أثرًا لا يمحوه الزمن. فالناس قد ينسون السؤال، وقد ينسون الجواب، لكنّهم لا ينسون أبدًا الإنسان الذي حوّل محاولة إسقاطه إلى درسٍ في الوعي، وجعل من حسن خلقه أعظم انتصار.













