ضد رغبة الجميع
منذ خطواتنا الأولى على أرض هذا العالم، يُمارَس علينا نوعٌ ناعم ومستمر من ”التهذيب القسري“. نتربى على أن الاستماع للوالدين دون مجادلة هو أسمى صور البر، وأن التماهي المطلق مع توجيهات المعلم في الفصل هو المعيار الوحيد للذكاء والأدب، ثم نكبر لنجد أن الرضوخ التام لإملاءات المدير في العمل هو التجسيد المثالي للمواطن الوظيفي الصالح!
لقد أتقنّا، عبر الأجيال، صناعة إنسان يُجيد هز الرأس موافقةً، بل ويُثنى عليه كلما ابتلع رأيه الشخصي. أصبحت الفضيلة المعتمدة هي ”عدم إثارة الفوضى“، وصار الصوت المخالف يُعامل كأنه نغزٌ نشاز في معزوفة هادئة. ولكن، هل الصمت حقاً فضيلة دائمًا؟ أم أنه مجرد حيلة مجتمعية لضمان الراحة على حساب الحقيقة؟
إن المطالبة بحق إبداء الرأي ليست نداءً للتمرد المجرد، بل هي اعتراف مبدئي بأن المرء كائن متفرد يملك زاوية رؤية لا يملكها غيره. أن تسلب الإنسان حقه في التعبير ”حتى وإن كان رأيه يُخالف المألوف أو يقف في مواجهة أغلبية صامتة“ هو في الحقيقة سلبٌ لإنسانيته.
الرأي ليس مجرد كلمات تُقال: إنه المساحة التي يُسمح للمرء فيها باختبار قدرته على التغيير وتأكيد ذواتهم. كم من فكرة عظيمة في تاريخ البشرية ولدت ”ضد رغبة الجميع“؟ كم من مسار وظيفي أُعيد اختراعه لأن أحداً ما تجرأ وقال لمديره: ”هناك طريقة أفضل“؟ وكم من طفل اكتشف شغفه الحقيقي فقط عندما تجرأ على الهمس برغبته المخالفة لنسخة النجاح التي رسمها له والداه؟
لكن التعبير عن الرأي يظل ناقصًا وحسيراً إذا كان مجرد صراخ في الهواء. الفكرة الحقيقية تتطلب مناخاً يُسمح فيه للرأي المخالف بالتحقق، ومساحة لتجربة الفكرة ورؤية ثمارها على أرض الواقع، بدلاً من إجهاضها وهي ما زالت مجرد نية.
ماذا لو تحول هذا السعي نحو الرأي الذاتي إلى طغيان فردي؟
إذا استمر كل فرد في التصرّف كأنه المركز الوحيد للكون، يمارس رغباته ”ضد رغبة الجميع“ دون مراعاة للسياق العام، أو للمسؤولية الأخلاقية، أو لحقوق من حوله، فإننا لن نصل إلى الحرية... بل سننزلق مباشرة إلى الفوضى.
المجتمع الذي يفقد بوصلة الاعتبار المتبادل يتحول فيه التعبير عن الذات إلى نرجسية مدمرة. الفردية بلا مبالاة تجرّ الوبال على الكيان الجمعي، لأن الحرية التي لا تعترف بوجود الآخرين ليست سوى اسم مستعار للأنشطة الهادمة. الفرق شاسع بين من يخالف السائد ليضيف لبنة جيدة، وبين من يخالف لمجرد هدم الحائط فوق رؤوس الجميع!
بين الانصياع الأعمى الذي يحول البشر إلى أرقام في سجّلات الطاعة، وبين الفوضى العارمة التي تجعل كل فرد قاضياً ومشرّعاً لنفسه، تقف المجتمعات الحيّة على حبل مشدود.
نسأل أنفسنا اليوم:
هل نحن بحاجة إلى إعادة تعريف معنى ”الطاعة“ ليصبح مشاركة لا إلغاءً؟
وكيف نضمن ألا تذوب ذواتنا في قالب الجماعة، دون أن نحرق المعبد لتأكيد وجوهنا فيه؟
وأخيراً... هل يستطيع المجتمع أن يتسع لصوتٍ يغرد ”ضد رغبة الجميع“، أم أننا سنظل نفضل السلام المُزيف على الحقيقة المزعجة؟













