آخر تحديث: 19 / 8 / 2026م - 2:52 م

اسم لا يُمضَغ

عماد آل عبيدان

بعض الكلمات تمرّ من الفم إلى الهواء، ثم تنتهي..

وبعضها لا تنتهي.

تسقط الكلمة على بلدة فتوقظ فيها ذاكرة أجيال وتجد أبناءها ينظرون إلى بعضهم بعضًا..

ماذا قيل؟ ولماذا قيل؟ ومن أين جاءت هذه المعلومة؟

حكاية قيلت على منبر وفي مقطع مصوّر.. إنّ للقديح اسمًا آخر وأُطلق اسم ”بَقْرة“ - بفتح الباء وتسكين القاف - في هذا السياق من غير أن يصاحب القول كتاب أو وثيقة أو سجل تاريخي يمكن للناس الرجوع إليه ثم جاءت بعد ذلك محاولة لتفسير المقصود وأن ”بَقْرة“ اسم نخل أو موضع في تلك الناحية وكأن المعنى قد تغيّر بعد أن وصلت الكلمة إلى الناس وأحدثت ما أحدثته.

وهذه هي المشكلة الاصلية الكبرى فالأسماء القديمة ليست لعبة لفظية والبلدان ليست مساحات معلقة في الهواء حتى يُلصق بها اسم ثم يُسحب منها بعد ذلك بحسب اتجاه الريح.

القديح اسم له حضور موثق في المصادر الجغرافية والتاريخية. ويظهر اسمها في سجل لوريمر الجغرافي الصادر سنة 1908 بصيغة ”Qudaih“ مع وصف للبلدة وسورها ومساكنها وأراضيها الزراعية.. في الصفحة الأصلية 1540 من Gazetteer of the Persian Gulf. «Sunnah?»

وتوجد قبل ذلك دراسة أكاديمية تناولت ”قانون نامه لواء القطيف لعام 959 ه/1556 م“ منشورة في مجلة ”العرب“ بالمجلد السادس والثلاثون، العددان الأول والثاني لسنة 2000 ص 40-46 وهي من الدراسات التي تضع أسماء ومواضع القطيف في إطار وثائقي يمكن فحصه ومناقشته.

إذن نحن أمام بلدة لها اسم موثق وجغرافيا مدونة وذاكرة متوارثة ومصادر يمكن الرجوع إليها.

فمن أين جاءت ”بَقْرة“؟

هذا هو السؤال الذي كان ينبغي أن يُطرح قبل إطلاق الكلمة، لا بعدها وكان يكفي أن تُفتح صفحة من كتاب..

كان يكفي أن يُقال.. ”وجدتُ في الوثيقة الفلانية أن القديح كانت تسمى كذا“..

وكان يكفي.. إن لم توجد الوثيقة أن تُقال العبارة بقدرها الطبيعي.. ”سمعت من بعض كبار السن أن هناك رواية تقول…“ - وانتبه أين أنت تقول ذلك وعلى مسمع مَن.. المنبر ليس مكانها.. فاحذر..

هكذا تحفظ الكلمة مكانتها ويحفظ صاحبها مكانته.

أما أن تتحول الرواية الشفوية إلى حقيقة تاريخية بمجرد خروجها من الفم فهذه طريقة عجيبة في كتابة التاريخ.. إذ يستطيع أي لسان بهذه الطريقة أن يعيد رسم خرائط الجزيرة العربية كلها قبل أن يبرد فنجان قهوته.

ثم تأتي المفارقة الأجمل..

عندما اعترض أبناء القديح وطالبوا بالمصدر فلم تظهر وثيقة حاسمة تقول.. هذا هو اسم القديح القديم.

لكن ظهر تفسير آخر…

إن ”بَقْرة“ اسم نخل!

حسنًا..

إن كان الأمر كذلك فأين الوثيقة؟

وأين المرجع؟

وأين الخريطة؟

وأين النص القديم الذي يحدد أن الاسم المقصود اسم نخل لا اسم البلدة؟

التفسير الجديد يحتاج هو الآخر إلى دليل..

فالتاريخ لا يعمل بنظام ”نسخة معدلة بعد النشر“.

ما قيل أولًا يحتاج إلى مصدر وما قيل ثانيًا يحتاج إلى مصدر أيضا وما دام المصدر غائبًا فإننا أمام رواية أو أن لها مقصدًا ومعنى خفي لا أمام حقيقة تاريخية.

والأغرب أن الأمر لم يقع في مجلس خاص بين رجلين وإنما خرج في فضاء عام ومن على منبر يسمعه الناس..

وهنا تصبح المسؤولية أكبر.

فالمنبر، أيًّا كان موقعه في وجدان الناس ليس مكانًا مناسبًا لتوزيع الألقاب على البلدان ولا لإطلاق أسماء تاريخية من غير تثبت ولا لتحويل ذاكرة مجتمع كامل إلى مادة عابرة في حديث.

وقد جاء مقال الأستاذ زكريا أبو سرير بعنوان دال.. ”لا ينبغي أن يتحول المنبر الحسيني إلى منبر للشتائم والاستهزاء بالآخرين“ وهو وإن لم يُسمِّ الواقعة صراحة في عنوانه فإن توقيته ومضمونه يضعان المسألة في إطارها الأخلاقي الواضح فللكلمة على المنبر مسؤولية وللمنبر حرمة اجتماعية في نفوس الناس والحديث فيه يحتاج إلى قدر من الانضباط يليق بالمقام.. «جهات الإخبارية?»

وهنا لا أحتاج إلى شتم أحد..

فالفعل نفسه كاف للنقد.

إن كنت تريد أن تتحدث عن تاريخ القديح فأعطنا التاريخ.. وإن كنت تريد أن تصحح اسمها، فأعطنا الوثيقة.

وإن كنت وجدت اسمًا لموضع أو نخل في ناحيتها فسمّه كما ورد في المصدر وحدد موضعه ودع الناس يقرأون ويتحققون.

أما أن تأتي الكلمة أولًا ثم يأتي تفسيرها بعد الاعتراض فهذا يجعل القارئ في حيرة من أمره.. هل كان المتحدث يتحدث عن اسم البلدة؟ أم عن نخلة؟ أم عن موضع؟ أم عن رواية سمعها؟ أم عن شيء لم يتأكد منه أصلًا؟ أم له مآرب أخرى؟

التاريخ لا يحتمل هذه المساحة الواسعة من الاحتمالات عندما تكون الكلمة قد قيلت أمام الناس.. وأهل القديح، في تقديري لم يغضبوا من كلمة ”بَقْرة“ بوصفها لفظًا في المعجم فالبقرة - إن أُخذت بهده الفهم - حيوان كريم وله مكانه في اللغة والطبيعة والتراث ولا عيب في الحيوان حتى يُستعمل اسمه سبّة.

لكن القضية أعمق.

القضية أن تُقرن بلدة عريقة باسم لم يثبت أنه كان اسمًا لها ثم يُترك أهلها ليستنتجوا بأنفسهم معنى ذلك.

وهنا تصبح الكلمة أثقل من معناها المعجمي..

فالبلدة ليست مجرد مجموعة بيوت ففي كل اسم بلدة اباء رحلوا وأمهات انتظرن وأطفال كبروا وبيوت تهدمت ونخيل كان يعرف أصحابه وطرقات مشى عليها أناس لم تترك لهم كتب التاريخ سطرًا واحدًا.

لذلك لا يملك أحد حق العبث باسم المكان لمجرد أن لديه رواية سمعها.

وقد يكون من المفيد هنا أن نتذكر أن حتى تفسير اسم ”القديح“ نفسه لم يُحسم في المصادر المحلية حسمًا نهائيًا.. فقد وردت تفسيرات متعددة حول أصل الاسم وصلته بـ ”القدح“ وصناعته مع بقاء الأمر في دائرة الاحتمال لا القطع.

وهذا هو الفرق بين الباحث والمتحدث بما لا يعي.

الباحث يعرف متى يقول.. ”ثبت“.

ويعرف متى يقول.. ”يُروى“.

ويعرف متى يقول.. ”لم أجد“.

أما الذي يخلط هذه المراتب الثلاث فإنه يستطيع أن يصنع تاريخًا كاملًا من ذاكرته ثم يبحث له عن تفسير عندما يسأله الناس.. أين المصدر؟

وأحد هذه الحادثة كشفت شيئًا يستحق أن نتعلمه جميعًا فلقد أصبح أبناء البلد اليوم أكثر حساسية تجاه تاريخهم وأكثر رغبة في معرفة مصادر ما يقال عنهم. وهذه حساسية صحية ما دامت بقيت في حدود الأدب وما دامت لا تتحول إلى خصومة شخصية.

فليكن الرد على الكلمة بحثًا..

وعلى الرواية وثيقة..

وعلى الادعاء مرجع..

وعلى الخطأ تصحيح..

وعلى الاعتذار قبول.

هكذا تبقى كرامة الناس محفوظة وتُبقى للمنبر مكانته بأهله ويبقى التاريخ تاريخًا.

أما أن نرمي الاسم في الهواء ثم نركض خلفه بتفسيرات متعددة فهذه ليست كتابة للتاريخ..

هذه لقلقة لسان..

والتاريخ أكبر من أن يُكتب بلقلقة لسان..

والقديح أكبر من أن تُختصر في كلمة عابرة لا يحسب لها وزنًا..

وذاكرة أهلها أكرم من أن تكون ملعبًا لرواية لم تجد طريقها إلى كتاب ولا إلى وثيقة ولا إلى خريطة ولا حتى إلى شاهد واضح يمكن وضعه أمام الناس.

لذلك لا أطلب من أحد أن يعتذر عن كلمة لأن القديح ”غاضبة“..

أطلب منه شيئًا أصعب وأجمل..

أن يحترم الكلمة..

وأن يتعلم أن اسم البلدة أمانة..

وأن يعرف أن المنبر مسؤولية واحترام..

وأن يدرك أن أقصر طريق إلى الاحترام هو أن يقول الإنسان عن التاريخ ما يستطيع إثباته وأن يترك ما عجز عن إثباته في موضعه الصحيح لرواية تنتظر الدليل.

أما القديح فستبقى القديح..

لا تحتاج إلى لقب جديد كي تكون عريقة..

ولا تحتاج إلى شهادة عابرة كي تعرف نفسها..

فالبلدات التي صنعتها ذاكرة الناس لا يغير أسماءها ارتجال متحدث ولا تعيد رسم تاريخها جملة خرجت من فم ثم احتاجت إلى تفسير.

يكفي أن نفتح الكتب..

هناك.. حيث لا تستطيع الذاكرة أن تتجمل ولا اللسان أن يتراجع.

هناك فقط…

يبدأ التاريخ.