قصص العاشقين 54
العاشقان الصغيران
هناك أحزان لا تبدأ بدمعة، بل تبدأ حين يمد طفلٌ يديه، فلا يجد الحضن الذي اعتاد أن يختبئ فيه.
ومن هنا بدأت الحكاية.
دخلا البيت مسرعين، كما اعتادا كل يوم، يبحثان بعينيهما قبل أقدامهما عن وجه أحبّاه وأحبّهما. ينتظران أن يسمعا صوته أو يريا ذراعيه الممتدتين ليحتضنهما، لكن هذه المرة كان كل شيء مختلفًا.
كل ما كانا يعرفانه أن الجد الذي كان يفتح ذراعيه كلما رآهما، لم يعد يستطيع أن يفتح ذراعيه. ذلك الجد الذي كان إذا رآهما تهلل وجهه، واحتضنهما، وقبّلهما، وحملهما على كتفيه أمام الناس جميعًا، لم يعد يقوى على حملهما.
كان المرض يشتد يومًا بعد يوم، وكان الطفلان ينظران إليه، ولا يعرفان كيف يمكن للمرض أن يمنع ذلك الحضن الرؤوف.
أين ذلك الجد الذي كان يطيل السجود من أجلهما؟ وأين ذلك الجد الذي كان يحملهما على كتفيه، غير مبالٍ بما يقوله الناس؟
بل أين ذلك الجد الذي كان يقبلهما أمام الناس، ويقول:
”إني أحبّهما“
ثم يضمهما إلى صدره طويلًا، وكأنّ كل كلمة منه كانت تهمس في القلوب:
إذا ناولتم هذا الطفل يومًا لبنًا، فدعوه أبيضًا. وإذا حملتم جنازته على الأكتاف، فلا تجعلوا السهام تسبق الدعاء، ولا تحرموه الدفن بجوار جدّه.
وأمّا الصغير، إذا رأيتموه يلهث من الظمأ، فلا تتركوا الظمأ يبلغ شفتيه، واذكروا أن شفتيه طالما ارتوتا من يدي.
وإذا وقف يومًا والسماء أقرب إليه من الناس، فلا تجعلوا السيوف أقرب إليه من الدعاء، ولا تدعوا ريحانتي تودّع الدنيا إلا بما يليق بمن كان ينام على صدري.
لكن الأيام كانت أقسى من كل تلك القبلات.
ثم حلّت اللحظة التي لم يكن قلب طفلٍ يتمنى أن يعيشها. ساد المكان صمتٌ ثقيل، وغابت تلك الأنفاس المباركة التي كانت تبعث الطمأنينة في كل من حولها.
ولم يعد الطفلان يحتملان الفراق، فاندفعا نحو جدهما، يتشبثان بجسده الشريف، ويغمرانه بدموعٍ… ودموع.
بكيا وأبكيا كل من كان في الدار، حتى نادى المنادي:
”ارفعهما يا علي… فوالله لقد أبكيا ملائكة السماء“
لعلهما كانا يتمنيان أن الحضن الذي طالما أعادهما إلى الأمان، سيعود مرةً أخرى إذا طال البكاء.
وبعد أن هدأت الأصوات، وانفضّ الناس، أصبح البيت ليس هو البيت. كل زاوية في البيت كانت تذكّرهما بجدهما.
هذا المكان كان يجلس فيه، وهنا كان يبتسم إذا رآهما. وهذا الباب… آهٍ يا باب… كم دخلاه مسرعين، فيستقبلهما بذراعين مفتوحتين، وكأنّ الدنيا كلها كانت تنتظرهما.
أين يده المباركة وهي تمسح رأسيهما؟ أين ابتسامته التي كانت تبدد خوفهما؟ أين حضنه الذي كان إذا ضمهما إليه، شعر العالم كله بالأمان؟
لكن بعض الأجداد، إذا رحلوا، تركوا في قلوب أحفادهم فراغًا لا يملؤه أحد.
أي قلب كان يحملانه وهما يعودان من ذلك البيت؟ فالطرقات هي الطرقات، والبيوت هي البيوت، لكن المدينة التي كانت تضيء بابتسامته ونوره، لم تعد هي المدينة.
كان ذلك أول حضن غاب عنهما، ولن يكون آخر الأحضان التي ستسلبها الأيام منهما.
كلما أثخنت الأيام قلبيهما بجراح جديدة، ظل جرح الجد أول الجروح وأعمقها.













