لا تضع على التدبر أقفالاً «3»
حين نقتنع بأن الإبحار في ملكوت التدبر ضرورة لا ترف، فإنه سيبرز لنا هذا السؤال الملح: ”كيف نبدأ؟“. إن الإجابة على هذا السؤال تكمن في استعادة دهشة الطفل وشغف الباحث، والبدء بمفتاح ذهبي لا غنى عنه ألا وهو كلمة «لماذا؟». فالتدبر ليس طلاسم معقدة، بل هو إرادة تبدأ بسؤال، ورغبة تنتهي بفتح مبين، عندها تبدأ سكرة البحث ولذة التنقيب التي لا يشبهها مذاق.
إذا أردت أن تطرق باب التدبر، فاجعل كلمة ”لماذا“ رفيقتك في كل آية. تأمل في الفاتحة واسأل: لماذا قال «الْحَمْدُ» ولم يقل ”الشكر“؟ ولماذا قال «رَبِّ العالمين» ولم يقل ”إله الناس“؟ ولماذا أطلق اللفظ ليشمل العالمين كافّة ولم يخص المؤمنين بالذكر؟ إنك حين تسأل ”لماذا“، فأنت تضع يدك على مقبض الباب؛ وقد تصل للإجابة فورًا، وقد تعيش في لذة البحث لأيام عديدة ومديدة، وفي كلتا الحالتين، أنت في رحاب القرآن تسترفد من علومه. ومن الطبيعي أن تجذبك هذه الأفكار لتدوينها، ولربما تطورت هذه الأفكار لتخلص إلى كتاب، وهذا الكتاب إلى سلسلة كتب، وهكذا. فالتدبر يولد بعضه بعضًا، فلم التحجر والانكفاء؟ نقل لي أحدهم أن شابًا كان يقرأ القرآن بآلية مجردة، حتى استعمل مفتاح «لماذا» عند قوله تعالى: «فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ». سأل نفسه: لماذا ذكر القرآن ”الظل“ هنا؟ فاهتدى إلى أن من شيمة الكرماء التواري بعد الإحسان؛ لئلا يريقوا بـ ”المنّ“ ماء وجوه السائلين. فكان هذا السؤال الصغير بداية لفتح كبير، وأدرك أن التدبر يبدأ بسؤال.
لكل واحد فينا ورقة عمر، ينتهي بانتهائها، فهل تأملنا لتساقط أوراق العمر؟ وإليك الحكاية؛ قيل أن أحدهم دُفن في قبره حيًّا، فأقسم إن خرج ليكتبنّ في القرآن، فخرج ليتحفنا بما يثلج الصدر. فهل نحتاج حقًا لخوض تجربة الدفن الاستباقي لنقرر استخراج ما لدينا من كنوز؟
والسؤال الأعمق: لماذا لا نحذر من غوائل الأيام، ومن الكسل الذي يبقي اللآلئ حبيسة الأدراج؟ فكم من صديق يملك لفتات قرآنية بديعة، لكنها تضيع في زحام التسويف. إن إنتاج العقد الفريد من التدبر يحتاج إلى خارطة طريق تمتد من الألف إلى الياء، وإلى تخطيط متكامل لتزدان رفوف المكتبات، وتبتهج عيون القراء. يحكى أن رجلًا كان يملك دفترًا ملأه بلفتات تدبرية مدهشة، وكلما نصحه أصدقاؤه بنشرها قال: ”غدًا أصقلها“، حتى داهمه الأجل وبقي الدفتر حبيس الأدراج. فكان موته واعظًا لرفاقه بأن الكنوز التي لا تخرج للناس تموت مع أصحابها، وأن التسويف هو العدو الأول الذي يغتال سنابل الخير قبل حصادها.
لقد قررتُ —رغم محبتي العميقة— هجر أصدقائي لفترات عديدة، لا جفاءً، بل لأنني أدركت أن استخراج ”سنابل يوسف“ وأخواتها يحتاج إلى انقطاع ومجالدة. أثق أنهم سيغفرون لي حين يدركون أنني انشغلت بما هو أبقى. إن المكتبة العربية اليوم تناديكم؛ حيث أن فيها عشرات الكتب التي ترسم طريق التدبر، لكن السر يكمن في الانضباط اليومي. السلاسل الناجحة التي نراها تزين الأرفف لم تكن مصادفة، بل كانت نتيجة خارطة طريق واضحة وعزيمة لا تلين. ومما قرأت أن أحد المؤلفين الكبار سُئل عن سر غزارة إنتاجه، فقال: ”ما كان لي أن أُخرج هذه السلسلة لولا هجران الأصدقاء، فقد اعتزلت مجالس السمر لأيام طوال، وصاحبت القرطاس والقلم بانتظام صارم، حتى تحولت الأفكار الصغيرة إلى كتب خالدة“.
في الختام نقول: أعقلها وتوكل.
والآن أغمض عينيك وتخيل ”سلسلة تدبر“ تحمل اسمك، تقف شامخة بإزاء كتب التفسير، تخلّد أثرك قبل أن ترحل عن هذه الدنيا. والسؤال إليك الآن: لماذا لا تترك لك كتابًا قبل أن تغادر؟ إن الكنوز التي في صدرك أمانة، وحقها أن تخرج للناس نورًا وهدى. فلمَ تترك لآلئك تموت في أصدافها.. ضع خارطتك، وحدد الوجهة، ثم أعقلها وتوكل. والسؤال لك: متى ستبدأ رحلتك؟













