آخر تحديث: 19 / 8 / 2026م - 2:52 م

لا تضع على التدبر أقفالاً «2»

عبد العزيز حسن آل زايد *

أرأيت مسافرًا يطوي المسافات وعينه على محطة الوصول، لا على بهاء الطريق وجمال الرحلة؟ يا ترى ما قيمة تلك الرحلة إذا كان هدف المسافر هو لحظات الوصول فحسب، دون أن يمتع ناظريه بالثمرات أو يملأ حقائبه بالهدايا والتحف؟ هكذا هو حالنا مع القرآن؛ حين يسابق بعضنا الزمن لإنهاء الأحزاب والأجزاء، بينما تكمن الحكمة في كنوز الرحلة لا في طي الصفحات. إن للقرآن لذة لا توصف، ومن ذاقها هجر لأجلها نفائس الكتب؛ لا لزهد في تلك النفائس، بل لما يجده من جمال وتكامل يغني عن كل نقص، واكتفاء يداوي كل شتات.

1/ القرآن إضافة سخية

لنبدأ بهذا السؤال: لماذا نحرم أنفسنا من استلهام النظريات من منبعها الأصيل؟ إننا نجلس سنوات طويلة ندرس نظريات غربية، ونهجر كنوزًا ثاوية في سورة يوسف ومريم ويس والكهف. لقد أذهلت سورة الفاتحة ذلك المسافر الذي أراد قراءتها للتبرك قبل البدء في تدبر سورة البقرة، فإذا به يغرق في أسرار لم تخطر له على بال، لهذا خصص كامل رحلته في مدارسة تلك السورة العظيمة!

والسؤال: لم لا نتأمل سورة صغيرة كالكوثر، أو سورة لحشرة ضئيلة كالنمل؟ إننا حين نغوص في الأعماق سنكتشف كنوزًا في الطب والصيدلة والسياسة والحقوق وكنوز لم تدركها عقولنا طيلة الأعمار. إن من ترك قراءة البركة وتخصص في اقتطاف الكنوز، سيدرك أن قوله تعالى: «أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ» لم يقع سهوًا ولا لهوًا، بل هو أمر يستحق الوقوف عنده. وإليك الآن ما نقله لي أحدهم، حيث قال إن باحثًا أمضى عمره يدرس نظريات الاجتماع الغربية، حتى استوقفته سورة يوسف، فدهش حين وجد فيها حلولًا لمعضلات نفسية واجتماعية لم تبلغها أحدث الدراسات! فقال بذهول: ”لقد كنت أبحث عن المصباح في الخارج، والنور كله يتدفق من بين صفحات هذا الكتاب“. لقد أدرك أن القرآن ليس قراءة للبركة فحسب، بل هو إضافة سخية لكل ميادين المعرفة.

2/ دقة اللفظ وفن الفجوة

إن التدبر ليس كلامًا عابرًا، بل هو وقوف بعيون حاذقة، حتى اللفظة الواحدة تحتاج لتمعن دقيق جدًا، في أحد المحافل استوقفني أحدهم لينبهني لزلة في حركة لم ألتفت لها في سورة يس، حيث قال السائل: ما الفرق بين كلمة «رَكُوبُهُمْ» ”بفتح الراء“ وبين «رُكُوبهم» بضمها؟ تفطنت للزلة، لكن ما كان أجدى هو هذا السؤال: هل بالفعل هناك فرق أم لا؟ وما هو؟ إن لكل حركة معنى، وكلنا يدرك جليًا الفرق بين ”عَنان“ السماء و”عِنان“ الفرس، فما هو الفرق بين ”ذَكَرَ“ و”ادَّكَرَ“ الواردة في سورة يوسف؟!

إنّ من روعة البيان في سورة يوسف، ما يسمى بـ ”فجوة الحذف“، فبعد قوله: «فَأَرْسِلُونِ» قال مباشرة: «يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ»، فأين المسافة؟ وأين تفاصيل الطريق؟ إنه فن الاختزال الذي يختصر الزمان والمكان ليركز على لب الحكاية. وإليك هذه القصة فتأمل؛ يحكى أن أحدهم سئل عن سر انبهاره بالقرآن، فقال: ”تأملوا مفردة واحدة منه لتدركوا سر إعجابي“، ثم قرأ قوله تعالى: «فَارْتَدَّ بَصِيرًا». وتابع موضحًا: ”لم يقل «فعاد بصيرًا»؛ فكلمة «ارتد» توحي بسرعة البرق وقوة اليقين التي لا تحتمل التراخي“. إن الوقوف عند هذه الدقائق اللفظية هو الذي يفتح لنا أبواب الجمال، ويجعلنا ندرك أن لكل حرف في محكم التنزيل وزنًا وقيمة. وبالمناسبة أقول؛ إن سورة يوسف مدرسة، وكثيرًا ما أبتسم كلما رأيت كتابًا جديدًا يتحدث عنها، وأقول: ”متى سيفنى عشاقكِ؟“.

3/ حين يجن الكاتب!

إليك حكايتي لتتأمل، كنت أقرأ كتابًا، وفي غمرة مطالعتي لمحت سطرًا عبقريًا استفاد فيه المؤلف من لفتة قرآنية، فجن جنوني وقلت: ”أيستفيد غيري من القرآن ولا أستفيد؟!“. هنا شمرت عن ساعد الاجتهاد، وأخرجت ”سنابل يوسف“؛ وهو كتاب تأملي في سورة واحدة. فماذا لو تدارسنا بقية السور؟ إن الكوكبة البارزة من المفكرين الذين نعتز بهم اليوم، لم يصنعهم الحفظ السريع، والتلاوة العابرة؛ بل صنعتهم مجالسات القرآن الرائقة؛ تلك الجلسات التي تهدف لاستنطاق الكنوز، لا مجرد رغبة في إنهاء الأحزاب. وإليك الحكاية لتدرك العمق والمعنى، مما قرأته أن كاتبًا هجر التأليف ليأسه من الإتيان بجديد، حتى جالس القرآن يومًا بروح المتدبر، فما هي إلا ساعة حتى انفتحت له آفاق من المعاني سدت عليه طرق النوم! فقام يكتب بجنون وهو يقول: ”كيف كنا نشتكي العقم وبين أيدينا هذا المعين الذي لا ينضب؟!“. لقد صنعت هذه ”المجالسة الرائقة“ منه مفكرًا جديدًا، ينهل من عمق الآيات لا من ضحالة التفكير.

في الخاتمة: ماذا تستفيد من رحلة تترك ثمارها وراءك؟ ماذا تستفيد من رحلة هدفك الوحيد فيها ختم السور فقط؟ هل يعقل أن يكون السطح هو أقصى مبلغنا من العلم؟ لقد وجدنا لذة لا توصف حين صادقنا القرآن وجعلناه لنا صاحبًا يستحق المجالدة والصبر. كلنا يتفق أن الشقي هو من يمر على الجواهر مرور الكرام، والسعيد هو ذلك الذي يغوص في الأعماق لينتزع من المحار أنفس اللآلئ والدرر.

إداري في مركز التنمية والإبداع-خريج جامعة الملك فيصل بالأحساء «العوامية».