هل يمكن إحالة النصوص الدينية إلى المختبر؟
لدينا كنز من الأحاديث وكم هائل من المرويات التي تتحدث عن فوائد الأطعمة وبعض طرق علاج الأمراض أو حتى العلاج الوقائي. وقسم آخر يتحدث عن أهمية التعلّم ولو من حيوان أو طائر. منها، على سبيل المثال:
عن محمد بن الفيض قال: قلت للصادق
: جعلت فداك، يمرض منا المريض فيأمره المعالجون بالحمية؟ قال: «لا، ولكنّا أهل البيت لا نحتمي إلا من التمر ونتداوى بالتفاح والماء البارد».
عن الكاظم
: «في التفاح شفاءٌ من خصال، من السم والسحر واللمم [هو جنون خفيف] يعرض من أهل الأرض، والبلغم منه منفعة «2» الغالب وليس شيء أسرع منه منفعة».
مكارم الأخلاق: قال الصادق عليه السلام: «تعلّموا من الغراب ثلاث خصال: استتاره بالسفاد وبكوره في طلب الرزق وحذره».
وفي نهج البلاغة يقول عن النملة: «انظروا إلى النملة في صغر جثتها ولطافة هيئتها، لا تكاد تُنال بلحظ البصر، ولا بمستدرَك الفكر، كيف دبّت على أرضها، وصبّت على رزقها، تنقل الحبة إلى جُحرها، وتُعدُّها في مستقرِّها، تجمع في حرّها لبردها، وفي ورودها لصدرها».
وهي من الكلمات التي ربما تنسجم مع الدعوة القرآنية للتأمل والتفكر في الكون والمخلوقات، وأن الإنسان في طريق العودة إلى الله هو في رحلة تعلم مستمر، ينبغي أن يدرك من عظمة الله وجلاله الكثير حتى يستشعر ضعفه أمام الله، ويتواضع لكبريائه، ويعلم سعة رحمته.
لكن لماذا نريد أن نحيل هذه النصوص إلى المختبر ونحيل البعض الآخر لمراكز الدراسات المختصة؟
السبب أن لدينا الكثير من الثروة العلمية التي هي بحاجة إلى الدراسة والبحث، لكنها مهملة.
قبل أيام نشرت «بي بي سي» دراسة بعنوان «كيف تصبح أفضل في اتخاذ القرارات؟ اسأل نملة!» تبدأ الدراسة جملتها الأولى بأن هناك كثيرًا مما نتعلمه من الحشرات والزواحف. وتتحدث الدراسة عن خمس حشرات في ما يخص موضوع اتخاذ القرار، هي النمل والصرصور والجراد والنحل والذباب. في المقابل، دعوة الإسلام إلى التعلّم من الحيوانات عمرها أكثر من 1300 سنة على أقل تقدير.
ثانيًا: الانطلاق من ثقافتنا وتراثنا، فمن الواضح جليًّا في عالم اليوم أن من يمتلك المعرفة يمتلك القوة.
كما أن الكثير من هذه النصوص لا تزال مادة خام، لم تخضع للتجربة والممارسة، وبعضها نصوص عامة ربما تصلح للبعض دون آخر، كلٌّ حسب حالته.
التوسع في العلوم يفرض علينا معرفة تفاصيل الأطعمة والأدوية وتركيباتها ومكوناتها، وتفاصيل المستفيدين منها، إن كنا نخطط لتقديم تجربة لأنفسنا وللعالم.
على أنه من المهم التذكير بأن النتائج التي يتوصل إليها بعض الباحثين لا تعني كونها نتائج نهائية لفهم النص. فربما قدم غيرهم تجارب ودراسات مغايرة بدمج بعض العناصر إلى بعضها أو تفريقها؛ لأن الهدف هو البناء العلمي وتراكم الخبرة والمعرفة.
أيضًا، نحن نتحدث عن نصوص معينة يمكن الانتقال بها إلى المختبر والسوق ومركز الدراسات، ولا تعني بحال من الأحوال الاستغناء عن فهم الفقيه فيما يختص بالأحكام والشأن الفقهي، أو فيما يخص مجال دراسته وبحثه. وربما فتحت الدراسات والتجارب الجديدة الباب لتعاون الباحثين مع الفقهاء والمختصين. فحضور الفقيه تجربةً ما، مثل مشاهدة الهلال أو الأجرام السماوية بالتلسكوب، سيعزز معرفته، وهو ما ينطبق تمامًا على الطبيب والمهندس عند حضوره المسجد وتعلّمه معارف الدين.
ينبغي أن تكون دراسات النصوص وإجراء التجارب بطريقة علمية محايدة.













