آخر تحديث: 16 / 8 / 2026م - 10:53 م

”لا أعرف ولا أبي أعرف“

علي البحراني *

هناك فرق بين الإيمان بوصفه قناعةً واعية، وبين الإيمان بوصفه استقالةً من السؤال. الأول يبني معرفة، والثاني يبني يقينًا هشًا يخاف من الضوء أكثر مما يخاف من الخطأ.

الإيمان الذي يخشى السؤال

حين تسأله: هل تعرف كيف وُلد المهدي؟ ما هي الروايات التي تحدثت عن ولادته؟ كيف تعامل معاصروه مع خبر وجوده؟ ما هي الأدلة التاريخية التي استند إليها العلماء في إثبات ولادته؟ من هي أمه؟ كيف ولدته؟ وكيف صارت أمه؟ ومتى تزوجت، ومتى ولدت؟

يجيبك بثقة لا تعرف التردد:

«لا أعرف، ولا أريد أن أعرف. هو موجود، بأبي هو وأمي.»

وهنا لا تكون المشكلة في جوابه، بل في موقفه من المعرفة نفسها.

فالإنسان لا يولد مؤمنًا أو منكرًا، وإنما يولد سائلًا؛ الطفل لا يكف عن السؤال: لماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ ومن أين؟ لكن كثيرًا من الناس، مع مرور الزمن، يستبدلون فضيلة السؤال براحة التسليم، ويستبدلون البحث عن الحقيقة بالانتماء إلى الجماعة التي تمنحهم شعورًا بالأمان.

لقد أثبتت دراسات علم النفس المعرفي أن الإنسان لا يبحث دائمًا عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن اليقين، ويسمي الانسداد المعرفي، أي الرغبة في الوصول إلى جواب نهائي سريع يوقف القلق ويغلق باب التساؤل، وعندما يرتفع هذا الدافع، يقل استعداد الفرد للبحث عن معلومات جديدة أو فحص الأدلة المخالفة لما يعتقده مسبقًا.

لهذا ترى بعض الناس يتعاملون مع الفكرة كما يتعامل الحارس مع القلعة؛ ليست مهمته اكتشاف ما بداخلها، بل منع أي أحد من الاقتراب منها.

إنهم لا يخشون أن يكون الاعتقاد خاطئًا، بل يخشون أن يهتز.

وحين يتحول الاعتقاد إلى جزء من الهوية النفسية، يصبح نقد الفكرة أشبه بنقد الذات نفسها؛ عندها لا يعود العقل محكمة تبحث عن الأدلة، بل محاميًا بارعًا يبحث عن المرافعة المناسبة للدفاع عن حكم صدر سلفًا، وقد وصفت أبحاث عديدة هذه الظاهرة بما يسمى «الاستدلال المدفوع بالرغبة» أو «الانحياز للمعتقد»؛ حيث يميل الإنسان إلى قبول ما يؤيد معتقده، والتشدد تجاه ما يناقضه.

لكن المفارقة أن أعظم العقول في التاريخ لم تبنِ يقينها على تجنب الأسئلة.

فالعلم لم يتقدم لأن نيوتن آمن بالجاذبية قبل فهمها، ولا لأن أينشتاين قدس الفكرة قبل اختبارها، ولا لأن المؤرخين صدقوا الروايات قبل تمحيصها كما نفعل. المعرفة الإنسانية كلها قامت على افتراض بسيط: الحقيقة لا تغضب من الأسئلة؛ عدى حقيقتنا، فلا تسأل عنها وفيها.

الفكرة التي تنهار أمام السؤال لا تستحق النجاة أصلًا.

أما الفكرة الصحيحة، فكل سؤال يوجه إليها يمنحها حياة أطول.

ولهذا يبدو غريبًا أن يعتبر بعض الناس الجهل فضيلة؛ يقول لك إنه لا يريد أن يقرأ، ولا يريد أن يبحث، ولا يريد أن يطالع الروايات أو الدراسات أو الاعتراضات أو الردود؛ يريد فقط أن يبقى حيث هو، والكتاب الذي لا يؤيد موروثاته الفكرية يمزقه ويلعن كاتبه.

إنه لا يحرس العقيدة بقدر ما يحرس المسافة بينه وبين المعرفة.

ولو تأملنا الأمر فلسفيًا، لوجدنا أن الإيمان الذي يأتي بعد البحث يختلف جذريًا عن الإيمان الذي يسبق البحث؛ الأول قرار عقلي وأخلاقي، أما الثاني فغالبًا ما يكون ميراثًا اجتماعيًا ارتدى ثوب القداسة.

ليس مطلوبًا من الإنسان أن يشك في كل شيء، ولا أن يهدم كل ما يؤمن به؛ لكن من حق الحقيقة عليه أن يمنحها فرصة الدفاع عن نفسها.

إن أسوأ ما يمكن أن يحدث للفكرة ليس أن تناقش، بل أن تحصن ضد النقاش.

فالأسوار العالية لا تبنى عادةً حول الكنوز فقط، بل حول السجون أيضًا؛ فقد تكون في سجن، وانت تعتبره حماية لك من الخارج المشيطن في عقلك.

ولعل المأساة الحقيقية ليست في أن يجهل الإنسان تفاصيل ما يؤمن به؛ فلكل إنسان حدود معرفته، وإنما في أن يعلن بفخر أنه لا يريد أن يعرف، ولا أن يسأل، ولا أن يسمع؛ وحينها يكون خزنة مقفله، والمفتاح ضاع.

عند تلك اللحظة، يتحول الجهل من نقص في المعرفة إلى موقف ضد المعرفة.

ويتحول الإيمان من رحلة نحو الحقيقة إلى إقامة دائمة في منطقة الراحة.

الخلاصة، «ليس السؤال نقيض الإيمان، بل قد يكون أحيانًا الطريق الوحيد إليه».