آخر تحديث: 16 / 8 / 2026م - 10:53 م

بناء المسؤولية ودعم الشباب طريق إلى مجتمع أقوى

أحمد منصور الخرمدي *

لا ينبغي أن يفوتنا أن غرس المسؤولية في أبنائنا منذ الصغر هو الخطوة الأولى نحو إعداد جيل قادر على مواجهة متطلبات الحياة. فتحفيزهم على تحمل المسؤولية، وإشعارهم بأن الحياة تتطلب الجهد والعمل والصبر، وإشراكهم في بعض ما نقوم به من أعمال والتزامات، ولو كانت بسيطة، يساعدهم على الاعتماد على أنفسهم، ويعزز ثقتهم بقدرتهم على تحمل مسؤوليات الحياة، في أوقاتها السهلة والصعبة.

ومن الجميل أيضاً تكليف الأبناء ببعض المهام المنزلية، وتشجيعهم على المبادرة والمشاركة في شراء احتياجات المنزل أو إنجاز بعض الأعمال المناسبة لأعمارهم، مع تخصيص مكافأة مالية لهم عند إتمام بعض المهام؛ لتكون حافزاً لهم، وفي الوقت نفسه فرصة لتعليمهم كيفية إدارة مصروفهم الشخصي. وهكذا لا تصبح المسؤولية مجرد نصيحة نرددها أمامهم، بل ممارسة يومية يتعلمون من خلالها قيمة العمل والالتزام.

ولا تنتهي المسؤولية عند حدود الأسرة؛ فالمجتمع بمختلف أفراده ومؤسساته معنيٌّ أيضاً بالوقوف إلى جانب الشباب ومساعدتهم على بناء مستقبلهم. فالشباب والشابات يتحملون مسؤوليات اجتماعية وأسرية ومعيشية مختلفة، وقد يعمل بعضهم بدخل محدود، بينما قد يواجه آخرون صعوبة في الحصول على عمل ثابت أو مناسب. ومن هنا تبرز أهمية تقديم الدعم الذي يساعدهم على تطوير قدراتهم وتحسين ظروفهم والاعتماد على أنفسهم.

وفي المقابل، فإن الاهتمام بالشباب والوقوف بجانبهم مسؤولية أخلاقية ومجتمعية ووطنية. ولا ينبغي أن تقتصر الرعاية على تقديم المساعدة المباشرة، بل يمكن أن تشمل التدريب، والتوجيه، وتشجيع المبادرات، وتنمية المهارات، وفتح المجال أمام الشباب للمشاركة والإنتاج. فنجاح الشباب يسهم في نجاح المجتمع، وطاقاتهم وقدراتهم تمثل قوة حقيقية يمكن استثمارها في صناعة مستقبل أكثر أمناً واستقراراً ورخاءً لهم ولأسرهم.

إن المجتمع المتماسك هو الذي يشعر فيه أفراده، كباراً وصغاراً، بأنهم شركاء في المسؤولية، وأن نجاح أحدهم يمكن أن ينعكس خيراً على الآخرين. ولذلك نأمل من الجميع التعاون وتعزيز قيم الألفة والمحبة والتكافل، حتى نكون مجتمعاً أكثر قدرة على تجاوز العقبات ومواجهة الظروف، ويكون أفراده، بعد الله، عوناً وسنداً بعضهم لبعض.

ولا تكتمل مساعدة الشباب من دون الحديث عن قيمة الوقت. فقد يعاني بعض الأفراد من الفراغ وعدم وجود ما يشغل أوقاتهم، وقد يمتد ذلك ساعات طويلة أو فترات أكبر. وإذا لم يُستثمر وقت الفراغ، ولا سيما لدى الشباب، فيما ينفع، فقد يتحول من فرصة للتعلم والتطور إلى عبء يؤثر في مسيرة الفرد.

لذلك، من المهم أن يستثمر الشباب أوقاتهم في اكتساب المهارات، والتعلم، والعمل، والتطوع، والبحث عن الفرص التي تساعدهم على بناء مستقبلهم. كما ينبغي ألا تكون العثرة الأولى نهاية الطريق؛ فالنجاح قد يحتاج إلى أكثر من محاولة، والفشل في تجربة ما يمكن أن يتحول إلى درس يساعد الإنسان على مراجعة خطواته وتصحيح مساره.

إن واقع الحياة لا يخلو من الصعوبات والتحديات، واغتنام الفرص والوصول إلى النجاح لا يتحققان بالتمني وحده، بل بالسعي والعمل والصبر والمثابرة. ولهذا فإن الاستعداد لمواجهة العقبات، والاستفادة من التجارب، وتكرار المحاولات دون استسلام، كلها عوامل تقرّب الإنسان من أهدافه وطموحاته.

وفي النهاية، فإن بناء مجتمع قوي يبدأ من الأسرة التي تغرس المسؤولية في أبنائها، ويمتد إلى المجتمع الذي يمنح شبابه الدعم والفرصة والثقة. فحين نعلّم أبناءنا قيمة العمل، ونساعد شبابنا على استثمار قدراتهم وأوقاتهم، فإننا لا نصنع نجاحاً فردياً فحسب، بل نضع أساساً لمجتمع أكثر تماسكاً وإنتاجاً وقدرة على صناعة مستقبله.