آخر تحديث: 15 / 8 / 2026م - 11:55 ص

من طرائف الزمان

ياسين آل خليل

من المفارقات العجيبة أن العقول اليوم تزدحم بكل ما هو ذكي من تطبيقات وأجهزة، وبنفس النغمة العالم يعيش عصرًا ذهبيًا لمختلف الأمراض النفسية التي تحتاج إلى وسائل وأدوات يومية لتحقيق أهداف حياتية خفية. الحسد والضغينة، إلى غيرها من النفاق والغيرة، جميعها أصبحن شهودًا على إبداع بعض البشر في توظيف مشاعرهم المدمرة وبمهارة يحسدهم عليها إبليس نفسه.

الحسد مرض قديم قدم البشرية، وحديث بما يتميز به اليوم كفنّ قائم بذاته. لم يعد الحاسد ذلك الإنسان الغارق في الغيرة الصامتة، كونه صار محترفًا يستخدم الحسد كأداة تدميرية مروعة، يغبطه عليها إبليس وهو الأب الروحي للحسد الذي ابتدأ حسده لآدم قبل أن يسبقه إليه أحد من الخلق. ومن طرائف الزمان أن بعض الحاسدين أصبحوا يتقنون وضع خطط شيطانية للإيقاع بضحاياهم، ويتفننون في إيذائهم، حتى تجاوزت مكائدهم تلك التي أوقع بها إبليس آدم في فخ الشجرة.

الأمراض النفسية في عصرنا لا تتوقف عند الحسد وكفى، بل تتعداه لتصل إلى النفاق الذي هو أكثر من مجرد مرض نفسي، بل مهارة اجتماعية يتدرب عليها البعض منذ الصغر لتكبر معهم وتتطور. صديقك الذي يبتسم في وجهك هو نفسه ذلك الشخص الذي يُحَضّر في داخله قائمة بأخطائك ليوظّفها ضدك لاحقًا وفي الوقت الذي يعتقد انه يمكن ان يلحق بك ألماً هو الأشد، وما ذلك إلا غيض من فيض ونموذج حي للنفاق في هذا العصر الذي يتعدى في انحلاله ما تخيله الشيطان نفسه يوم أقسم على نفسه إغواء البشر. صار النفاق سُلّماً يُرتقى، تُبنى به صداقات مصلحية، وتُقتنص به مقامات اجتماعية، في مشهدٍ تتراقص فيه الأكاذيب جهاراً نهارًا ودون مبالاة.

أما الغيرة والضغينة فهما الوقود النووي وسلاح الدمار الشامل لصراعات الحياة اللامنتهية، فقد باتا دافعًا مشروعًا لبعض الناس لتحطيم الآخرين. لا أحد يريد أن يعترف بأنه يغار، أو انه يحمل في قلبه كرها، بل يبرر للآخرين من حوله أن تصرفاته السمجة مجرد تصرفات طبيعية. تجد شخصًا يغار من مهارة أو تميز لك في جانب من جوانب الحياة المختلفة، فيبدأ بالتفاني في إبعادك عن مركز الضوء ولو كانت التكلفة هي حرمان الآخرين من عطاءاتك. الأسوأ أن الغيرة تحولت إلى استراتيجيات تخريب مُحكمة يخجل منها حتى مشاهير ونجوم أفلام الغيرة والحسد في مسارح الهوليود.

في خضم هذه المشاهد المنكدة، يقف الرادع الديني والإنساني عاجزًا في وجه هؤلاء المبدعين في الشر. فبين من يبرر أفعاله بكلمات لا ترقى لأن يستمع لها أصحاب العقول السليمة، وبين من لا يرى غضاضة في ممارسة هذه الأعمال لتحقيق أهدافه المشينة. يبدو أن الضمير الإنساني بات سلعة نادرة. حتى القيم الدينية التي تُحرّم الحسد والضغينة صارت تُفسَّر حسب الحاجة، لتتحول إلى أقوال مأثورة فاقدة قدرتها في التأثير على سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية.

في نهاية المطاف، نحن أمام مشهد بشري أشبه بحفلة تنكرية كبرى، الكثير يرتدي فيها أقنعة براقة تخفي تحتها قلوبًا سوداء وعقولًا ملغومة. ترى الشخص يضحك في وجهك، لكنه يحمل خنجرًا في جيبه، ينتظر اللحظة المناسبة ليغرسها في ظهرك. تسمع كلمات الدعم والتشجيع، لكنها ليست إلا سمومًا مغلفة بالعسل. لقد تحوّل بعض البشر إلى كائنات تعيش على الحسد، وتتنفس الغيرة، وتقتات على الضغينة، بينما يبررون أفعالهم بعبارات اخترعوها خصيصًا لتلائم نزواتهم المعتلّة. هؤلاء أكثر من مرضى، هم مصانع متنقلة لإنتاج الكراهية والخراب، يعيشون في بيئة تصفق لهم، وتتعامل معهم وكأن خبثهم نوع من ”الذكاء الاجتماعي“. أيها السادة، إنه دون شك عصر القذارة النفسية.. حيث يصبح الخراب فنًّا، والنفاق إبداعا، والخبث مهارة.