أولاد هالزمن.. أم آباء هالزمن؟
هناك قصة ظريفة متداولة، ولست مهتمًّا بإثبات سندها، تُروى عن طفل ذهب برفقة أبيه لمشاهدة عرضٍ في السيرك. وبينما كانا ينتظران في صف التذاكر، كانت أمامهما عائلة فقيرة من أبٍ وأم وستة أولاد، تغمرهم الفرحة بما هم مقبلون عليه. وحين جاء دورهم، فوجئ الأب بأن ثمن التذاكر يفوق ما يملك، فتلعثم وبدت على وجهه علامات الحرج. عندها أخرج والد الطفل عشرين دولارًا من جيبه وألقاها على الأرض، ثم انحنى والتقطها أمام عيني الرجل، ووضع يده على كتفه قائلًا: «لقد سقطت منك نقودك!». فهم الرجل ما حدث، وشكره بعينين ممتلئتين بالامتنان، ثم دخل مع أسرته إلى السيرك. أما الأب وابنه فانسحبا من الطابور؛ لأن العشرين دولارًا كانت كل ما يملكه الأب. ويقول الطفل: «كان ذلك الموقف أجمل عرضٍ شاهدته في حياتي، أجمل بكثير من عرض السيرك الذي لم أشاهده!». هذا الأب لم يقل لابنه: كن كريمًا، ولم يحدثه عن الرحمة أو حفظ كرامة الفقير، لكنه لقّنه درسًا بقي في ذاكرته؛ فكم من درس نلقنه أبناءنا بالطريقة نفسها كل يوم من غير أن ندري؟
أظن أننا نحن الآباء نتذمر كثيرًا من هذا الجيل؛ نُسهب في الحديث عن الماضي وفضائله، ونكيل أحيانًا لأبنائنا شتى الأوصاف القبيحة: «رحم الله لوَّل»، و«راحوا الطيبين»، وغيرها من العبارات التي تنضح إساءةً إلى هذا الجيل. لكن دعني، سيدي الأب، أقول لك شيئًا قد لا يعجبك: أنت مخطئ إلى حدٍّ كبير! فالابن، في الغالب، هو الطبق الذي طبخته بيديك؛ فلا تذم الطبق قبل أن تتذكر من كان الطاهي. هو يحاكي سلوكياتك بإتقان، ويتشرّب كثيرًا من طباعك من حيث تشعر أو لا تشعر. وحين يراك تكذب، أو تتعالى على الناس، أو تسخر منهم، فأنت لا تمارس هذه الأخلاق أمامه فحسب، بل تعلّمه إياها من غير أن تجلسه يومًا إلى درس. وفي أحيان أخرى، لا يكون الابن نسخةً منك، بل يتحول إلى ما يشبه «الحزب المعارض» لك؛ فيذهب إلى النقيض بسبب الطريقة التي عاملته بها. تخيّل طفلًا يلعب في غاية السعادة، فتختار تلك اللحظة، بحسن نية، لتوقف لعبه وتُلقي عليه موعظةً دينية طويلة، ثم تكرر الأمر مرة بعد أخرى؛ فلا تتعجب إذا كبر وقد اقترن الدين في وجدانه بالضيق والمنع وانطفاء الفرح. وحينها قد تكون أنت، من حيث أردت هدايته وتحبيبه في الدين، قد أسهمت من حيث لا تدري في تنفيره منه.
شخصيًّا، كلما سمعت أحدهم يقول متحسرًا: «أولاد هالزمن ما فيهم خير، ورحم الله لوَّل»، راودني سؤال: ومن ربّى أولاد هالزمن؟ هؤلاء لم يهبطوا علينا من السماء، ولم يتسللوا إلى بيوتنا من كوكب آخر؛ نحن الذين أنجبناهم وربيناهم، ونحن الذين قدّمنا لهم، بقصد أو بغير قصد، نماذجهم الأولى في الحياة. بعضهم صار يشبهنا، وبعضهم هرب منا إلى النقيض، وفي الحالتين قد يكون لنا نصيب في الحكاية. لذلك، قبل أن تُدين هذا الجيل وتترحم على «لوَّل»، انظر قليلًا في المرآة؛ فقد تكتشف أن السؤال لم يكن يومًا: ما الذي جرى لأولاد هالزمن؟ بل: ما الذي فعله آباء هالزمن بأولادهم؟













