رواية مختصرة: «والدا مبتعث»
كان الزوج والزوجة متشابهين إلى حد كبير في حبهما العميق لأبنائهما، وحرصهما على مستقبلهم، وقلقهما مما يشهده العالم من متغيرات. وفي المقابل، اختلفا في بعض أساليب التربية وإدارة شؤون الأسرة، مثل حدود الدلال، وتنظيم السهر في عطلات نهاية الأسبوع، وتقنين استخدام الإنترنت، واختيار نوعية التعليم.
لم يكن مقدرًا لهما أن يجتمعا طويلًا مع أبنائهما؛ فقد أمضى الأب سنوات يجوب الأرض طلبًا للرزق، وما إن استقر مع أسرته حتى بدأت رحلة اغتراب الأبناء. فالابن الأكبر عُيّن في وظيفة خارج البلاد، ثم لحق به الابن الثاني، أما الثالث فابتعث للدراسة في إحدى الجامعات الأجنبية.
كان الأب اجتماعيًا بطبعه، يستمع إلى قصص نجاح وإخفاق لأبناء المجتمع وللمغتربين في بلدان مختلفة، فيدرس أسباب النجاح ليستفيد منها، ويتأمل أسباب التعثر ليتجنبها وأبناؤه.
وقد صنع الزوجان قصة نجاح في بناء أسرتهما، قائمة على الكفاح والاعتماد على النفس. ولم تكن تجربتهما مجرد ذكريات، بل تحولت إلى منهج تربوي ينقلانه إلى أبنائهما بالحوار والقدوة. وكانا حريصين على ترسيخ العدالة بينهم، وإبعاد مشاعر الغيرة أو التمييز.
وحين تراجعت فرص الابتعاث الرسمية للابن الأصغر، قرر الأب تحمل نفقات دراسته من ماله الخاص؛ إيمانًا بأن العدالة بين الأبناء لا تقتصر على المساواة الشكلية، بل تشمل توفير الفرص قدر المستطاع.
لم يكن قلق الوالدين نابعًا من الدراسة نفسها، بل مما تنقله وسائل الإعلام بين حين وآخر عن اضطرابات سياسية أو اقتصادية، أو حوادث عنف، أو مظاهر كراهية للأجانب في بعض الدول. ومع أن هذه الأحداث لا تمثل جميع المجتمعات ولا كل المدن، فإنها كانت كافية لإثارة مخاوف أي أب وأم على ابنهما المغترب.
فبعد سفر الابن الأصغر، أصبح حديثهما معه يتكرر حول أهمية الحيطة، والابتعاد عن أماكن الاضطرابات، والالتزام بإجراءات السلامة، دون أن يتحول ذلك إلى خوف يشل طموحه أو يحد من تجربته العلمية.
وكانا يحثانه كذلك على الاجتهاد في دراسته، وإنجاز متطلباته الأكاديمية في وقتها، ليعود إلى وطنه مزودًا بالعلم والخبرة.
وكغيرها من الأسر، شهدت الأسرة اختلافًا في وجهات النظر حول استمرار الدراسة في الخارج أو العودة إلى الداخل، إلا أن الحوار ظل هادئًا، ولم يتحول يومًا إلى خصومة أو قطيعة. فالأبوان كانا يقدمان خبرتهما الحياتية، بينما كان الابن يرى أن بعض القناعات لا تُبنى إلا بخوض التجربة بنفسه.
وكان أفراد الأسرة يجتمعون عبر تطبيقات الاتصال المرئي أو الرسائل، ليؤكدوا أن المسافات الجغرافية لا تنتزع دفء الأسرة ولا تماسكها. ورغم اختلاف آرائهم أحيانًا، بقيت المحبة والاحترام القاسم المشترك بينهم.
وبعد أن تبنى الأبوان كثيرًا من مفاهيم التربية الحديثة، أصبحا يؤمنان بأن الاستثمار الحقيقي هو في الإنسان، وأن نجاح الأبناء أثمن من المال المدخر. لذلك لم يتردد الأب، رغم تقاعده وتقدمه في العمر وبعض متاعبه الصحية، في التفكير بالعودة إلى العمل؛ ليساعد أبناءه على تحقيق طموحاتهم كما فعل مع إخوانهم الأكبر.
وفي النهاية، ظل الحوار هو الجسر الذي يجمع الأسرة. كانوا يتحدثون بعقلانية واحترام، مؤمنين بأن الكلمة الصادقة قد تغيّر القناعات، وأن التجارب ليست كلها بحاجة إلى أن تُعاش حتى نتعلم منها؛ فالعاقل من يعتبر بتجارب غيره، دون أن يفقد شجاعته في صناعة تجربته الخاصة.














