آخر تحديث: 5 / 8 / 2026م - 10:12 م

لماذا يمشون؟

عماد آل عبيدان

كلما تقدّم الإنسان في صناعة وسائل السفر ازداد شغفه بأن يجعل الطريق أقصر والجهد أخف والزمن أيسر. فمنذ أن عرف العجلة ثم الحصان فالقطار فالسيارة فالطائرة ظل يسعى إلى أن تُطوى له الأرض وأن يبلغ وجهته في أقل وقت وأقل عناء.. تلك في جوهرها حكاية الحضارة التي لم تُرِد إلغاء الطريق وإنما سعت إلى تهذيبه وتخفيف مشقته وتقريب البعيد.

ثم تقف أمام الأربعين..

فترى ملايين البشر يعيدون إلى الطريق معناه لا لأنهم عجزوا عن الوصول إليه ولا لأن وسائل العصر قصّرت بهم ولكنهم اختاروا أن يمنحوا للمسافة قيمة ومعنى لا تحملهما مركبة ولا تختصرهما سرعة ولا تقيسهما ساعة.

هنا نظرتُ إلى الإنسان وتوقفت عن النظر إلى الأقدام.

لماذا يمشون؟

كان هذا السؤال في بداية الطريق

وكنت أظن أن الجواب يختبئ في عدد الخطوات أو في طول المسافة أو في مشقة الطريق ثم كلما امتد الطريق أخذ السؤال يفقد صورته الأولى ويتغير..

وعند نهايته لم يعد السؤال يعني ما كان يعنيه في بدايته لأنني أدركت أن الذي كان يمشي في الحقيقة لم تكن القدم..

كان اليقين..

ربما لم يكن يمشِ لأنه لا يملك وسيلة أسرع وربما لم يكن يقصد المشقة لذاتها..

فبدا لي أن الإنسان وسط هذا العصر اللاهث وجد فرصة نادرة ليستعيد حقًا سلبته منه الحياة بأن يعيش الوقت لا أن يطارده.

في حياتنا اليومية.. تمر الأيام كأنها مطاردة طويلة فننجز أمرًا لنلحق بآخر ونصل إلى موعد ونحن نفكر في الذي يليه حتى الراحة أصبحت بندًا في جدول حياة مزدحم.

أما هنا.. فيحدث شيء يصعب حسابه..

الساعة ما زالت في المعصم أو في جوالك غير أن سلطانها يتراجع..

فلا أحد يمشي ليكسب دقيقة، ولا أحد يحزن لأن الطريق طال.. كأن المسافة للمرة الأولى لم تعد شيئًا يجب هزيمته.

وتتبدل في الطريق أشياء كثيرة فتتعاقب الفصول وتتغير المواقيت وتتطور وسائل السفر عامًا بعد عام ويبقى المشي حاضرًا بيقينه واشتياقنا له وكأنه يرفض أن تسمح التقنية لكل معنى أن يُختصر فيه..

فالذي يمضي إلى الحسين لا يحمل قدميه وحدهما ولكنه يحمل شوقًا يبحث عن موضعه. ولهذا تغدو الخطوات - مع امتداد الطريق - أقرب إلى مشي القلوب منها إلى مشي الأرجل فكل خطوة تقرّب صاحبها من معنى آمن به ومن سيرة ما زالت - بعد قرون - تستدعي الإنسان إلى أن يراجع نفسه قبل أن يراجع الطريق نفسه.

ومن هنا تتجاوز المسيرة حدود الذكرى فالإمام الحسين لم يخرج طالبًا للغلبة فهو الذي أعلن أن غايته الإصلاح.

ولهذا يشعر السائر أن الطريق لا ينتهي عند الوصول إلى الضريح المقدّس وإنما يمتد مع ذلك المبدأ الذي خرج الحسين من أجله.

كأن هناك خيطًا ظل مشدودًا عبر تلك القرون حتى يومنا هذا نسجته التضحية وحفظه الوفاء وما زالت الأجيال تتعاقب وهي تتمسك به لا لتكرر مشهدًا تاريخيًا ولتبقي الإصلاح حيًا في الضمير وفي الأخلاق وفي تفاصيل الحياة.

وأثناء ذلك يحدث تحول فيهدأ إيقاع الزمن ويهدأ الإنسان معه فيصبح أكثر احتمالًا وأكثر انتباهًا للتفاصيل التي كانت تمر من أمامه دون أن يراها.. ليد تمتد بكأس ماء وطفل يركض فرحًا لأنه استطاع أن يخدم زائرًا وشيخ ينتظر ساعات ليقدم رغيفًا لا يعرف لمن سيكون..

هذه المشاهد ليست هي الطريق وإنما هي ما يفعله الطريق بمن يمشيه..

ولهذا لا أظن أن سر الأربعين في عدد السائرين مهما كان مدهشًا.. فهي استطاعت في زمن يقدس السرعة أن تقنع الإنسان بأن بعض المعاني تخسر قيمتها كلما استعجلها.

قد يخرج المرء من كربلاء بالطريق نفسه الذي دخل منه أما الزمن الذي خرج به فليس الزمن الذي جاء معه.

وهنا - ربما - يكمن السر الذي يجعل هذه المسيرة تتجدد عامًا بعد عام.. فالناس لا تعود إليها لأن الطريق تغيّر فالطريق هو ذاته ويعرف مكانه منذ عدة قرون والإنسان هوالذي يتغير.

وما دام الإنسان يبحث في زحام الحياة عن لحظة يسترد فيها نفسه من سباق لا ينتهي سيظل هناك طريق كلما ظن الناس أنهم بلغوا نهايته اكتشفوا أنه يبدأ من جديد…

الطريق إلى الحسين.