لماذا نمشي في الأربعين؟
يسأل الغريب: لماذا تمشون في الأربعين إلى الإمام الحسين
؟ أليس ذلك تعبًا بلا سبب، ومشقّةً بلا طلب؟ والجواب لا يبدأ بالخصام، بل بالفهم، ولا يقوم على الاتهام، بل على التأمل والاحترام.
فليست كل الأفعال تُقاس بظاهرها، ولا كل الشعائر تُدرك من منظرها؛ فالمعنى قد يسكن الخطوة، والنية قد ترفع المشقة إلى قربة. وفي حياة المسلمين أعمالٌ لو نُظر إليها بظاهر الحركة وحده، لضاع مقصدها واحتجب سرّها؛ فالسعي بين الصفا والمروة انتقال، والطواف حول الكعبة دوران، ورمي الجمرات حباتٌ تُرمى في مكان، ولكنها في جوهرها طاعةٌ وذكر، واستسلامٌ وعِبر.
وكذلك المشي إلى الحسين
، ليس تقديسًا للتعب، ولا طلبًا للعناء والنصب، ولكنه إعلان محبة، وتجديد عهد، واستحضار لموقفٍ رفض الظلم، وصان الكرامة، وقدّم النفس دفاعًا عن الحق والأمة.
يمشي الزائر ليقول: إن القيم لا تموت، وإن المواقف الصادقة لا تفوت، وإن طريق الإصلاح وإن طال، فالسير فيه شرفٌ وكمال. وفي الطريق يتساوى الغني والفقير، ويخدم الكبير الصغير، وتُبذل اللقمة والماء، وتظهر معاني الإيثار والوفاء.
وقد يقتنع الإنسان بهذا المعنى، وقد يبقى له رأيٌ آخر، وليس المطلوب أن تتطابق العقول، بل أن تتأدب في السؤال والقبول. فالسؤال باب معرفة، أما الحكم قبل المعرفة فباب قطيعة.
من أراد أن يفهم شعيرة قوم، فليدخل إليها بعقل الباحث لا بعين الحاكم، وليسمع منهم لا عنهم، وليطلب الجواب لا الخصام؛ فقد لا يسير معهم في الطريق، لكنه سيدرك أن وراء كل خطوة قلبًا، ووراء كل تعب حبًا، ووراء كل مسير معنىً لا يراه إلا من أنصف وفكّر.













