آخر تحديث: 4 / 8 / 2026م - 10:22 م

الحلقة الأخيرة

حين اختارت كربلاء خاتمتها

رضي منصور العسيف *

وقف حسين وزينب عند باب الحرم، بعد أن فرغا من الزيارة، غير أن الدموع لم تكن قد فرغت من عيونهما.

التفتت زينب إلى أخيها، وكانت عيناها لا تزالان معلّقتين بالقبة الحسينية، ثم سألته بصوتٍ خافت، كأنها تخشى سماع الإجابة:

— هل سنغادر الآن يا أخي؟

لم يستطع حسين أن يجيبها.

توقفت الكلمات في حلقه، واختنقت أنفاسه بالعبرة. مسح دموعه سريعًا، وحاول أن يرسم على وجهه ابتسامةً تخفي انكساره، ثم قال، مغيرًا مجرى الحديث:

— ألستِ جائعة؟ لم نأكل شيئًا منذ البارحة.

ابتسمت زينب، وظلّ بصرها متجهًا نحو القبة، ثم قالت:

— لقد نسيت الجوع وأنا في حضرة الحسين.

ابتعدا قليلًا عن الحرم، حتى اقتربا من أحد المواكب الحسينية. كان صاحب المضيف يقف في البرد، وينادي بصوتٍ دافئ يفيض بالمحبة:

— تريّق يا زائر... تفضّل على بركة الحسين!

نظر حسين إلى أخته، ونظرت إليه، ثم قالت:

— هيا نقف معهم... نأكل كما يأكل الزائرون، ونشرب شاي أبي علي.

ابتسم حسين وقال:

— هذا شاي العشق الحسيني... لا يشربه مهمومٌ إلا فرّج الله همّه.

انحدرت دمعةٌ على خد زينب، وقالت بنبرةٍ امتزج فيها الرجاء باليقين:

— ولا يشربه مريضٌ إلا عافاه الله... أليس كذلك؟

ثم مسحت دموعها، وكأنها لم تكن تسأل أخاها، بل كانت تضع أمنيتها الأخيرة في قلب الحسين.

بعد لحظات، صار كلٌّ منهما يحمل علبةً صغيرة فيها قطعة خبز، وشيءٌ من الجبن والمربى، ومعها كوبٌ من الشاي الساخن.

جلست زينب بهدوء، وقرّبت الكوب من كفيها الباردتين، تستمد منه شيئًا من الدفء، ثم تناولت فطورها ببطء، وقالت بدهشة:

— أهكذا يكون طعم وجبات مضايف الحسين؟

قال حسين:

— نعم... لأنها لم تُصنع بالطعام وحده، بل بالمحبة والخدمة والنية.

رفعت زينب نظرها نحو القبة، وقالت من أعماق قلبها:

— شكرًا لك يا سيدي... دعوتني، وأطعمتني، ولم تردّني عن بابك.

تابعا المسير، وأصوات العزاء تحيط بهما من كل جانب.

من بعيد، كان صوتٌ يردّد:

— أزورك والزيارة واجبة لو بالعمر مرّة...

أزورك والزيارة أدري بألف حجّة وألف عُمرة

أزورك واليزورك ينحسب أجره على الزهرة

ومن جهةٍ أخرى، ارتفع نداءٌ ملؤه الشوق:

— أخذ روحي ونظر عيني... لأبو السجاد ودّيني... يسجّلني

عبير ترابه أشمّه... وأريد بدفتر الخدمة... يسجّلني

إجيت وقلبي ملهوف... أريد العالم يشوف... يسجّلني

كانت زينب تستمع إلى القصائد، وتردّد بعض كلماتها بصوتٍ متقطع، فيما بقيت دموعها تنساب على خديها. كان كل بيتٍ من الرثاء يلامس موضعًا عميقًا في قلبها، وكأن الكلمات تعرف حكايتها وترويها عنها.

نظر حسين إلى ساعته، ثم قال:

— علينا أن نسرع يا زينب. الوقت ضيق، ويجب أن نبحث عن سيارة تقلّنا إلى النجف.

اقترب من أحد الزائرين وسأله:

— أين أجد سيارة أجرة تذهب إلى النجف؟

نظر إليه الرجل العراقي متعجبًا، وقال:

— إلى النجف؟ غدًا يوم العشرين من صفر... من يغادر كربلاء اليوم؟

أجابه حسين:

— نحن في ظرفٍ خاص. لدينا رحلة، وأختي مريضة. أين أجد سيارة؟

أشار الرجل إلى مكان تجمع المركبات.

ذهبا إلى هناك، لكن المكان كان شبه خالٍ.

سأل حسين شخصًا آخر:

— هل توجد سيارة إلى النجف؟

أجابه:

— لا توجد سيارات اليوم... الجميع قادمون إلى كربلاء، ولا أحد يكاد يغادرها.

نظر حسين حوله، وشعر أن الأبواب التي فُتحت لهما طوال الرحلة قد أُغلقت فجأة.

أما زينب فنظرت إليه برجاء، وقالت:

— هل نبقى هنا يا أخي؟

كان في صوتها شوقٌ صادق، كأنها لا تسأل عن مكانٍ تقضي فيه ليلة، بل تطلب أن تبقى بقية عمرها تحت تلك القبة.

أجابها حسين وهو يحاول أن يخفي قلقه:

— وكيف نبقى؟ لدينا حجز من النجف إلى مشهد، ثم إلى الوطن. وهل نسيتِ موعدك في المستشفى؟

تغيّرت ملامح زينب، وقالت بصوتٍ أنهكه التعب:

— لا أريد الموعد... لقد تعبت يا حسين. لا أريد مستشفيات، ولا مواعيد، ولا علاجات.

ثم انفجرت باكيةً، وأضافت:

— أريد أن أبقى هنا فقط.

وقفا على جانب الطريق، لا يدريان ماذا يفعلان.

كان برد ذلك الصباح مختلفًا؛ نافذًا إلى العظام، مشبعًا برهبة الوداع. كانت الريح تعبر الشوارع التي لا يؤنسها إلا أفواج الزائرين، وتحرك أطراف الرايات والعباءات.

لفّت زينب معطفها الصوفي حول جسدها، بينما شدّ حسين سترته الثقيلة، ومع ذلك أخذت ترتجف.

لم يعرف حسين: أكانت ترتجف من البرد، أم من المرض، أم من حزن الرحيل؟

ظل ينظر إليها.

أراد أن يقول:

— سنبقى هنا.

أراد أن يعيدها إلى الحرم، وأن يترك كل الرحلات والمواعيد خلفه، وأن يمنحها ما تتمناه.

لكن في الوطن أبًا وأمًا وإخوةً ينتظرون عودتهما، وفي المستشفى أطباءً وموعدًا لا يحتمل التأخير، وربما كان تأخرها خطرًا على حالتها.

اقترب منها، وأمسك بيديها الباردتين بين كفيه، وسألها:

— هل أنتِ بخير يا زينب؟

رفعت إليه عينين ممتلئتين بالدموع.

حاولت أن تجيب، لكن صوتها لم يخرج.

مرّت دقائق ثقيلة، اختلط فيها التعب بالبرد واليأس، حتى بدا الطريق وكأنه خلا من كل أمل.

وفجأة، ظهرت من بعيد حافلةٌ صغيرة مسرعة.

مرّت من أمامهما، ثم توقفت على نحوٍ مفاجئ.

تراجعت قليلًا، وفتح السائق الباب، ونادى:

— هل تريدان الذهاب إلى النجف؟

نظر حسين إليه مذهولًا.

لم يسأله كيف عرف، ولماذا عاد، ومن الذي دفعه إلى التوقف.

انفجرت دموعه، والتفت إلى أخته وقال:

— هيا يا زينب... لقد جاء الفرج.

حاولت زينب أن تنهض، لكن جسدها كان مثقلًا بالتعب.

التفتت خلفها نحو الحرم الحسيني، وظلّت تحدّق في القبة لحظات. تساقطت دموعها، ثم قالت بصوتٍ مكسور:

— الوداع صعب يا حسين...

أسندها حسين بذراعيه، وقال:

— هيا يا أختي... بقي القليل.

صعد بها إلى الحافلة، وكانت ممتلئةً بالزائرين الإيرانيين. أخذ ينظر في داخلها باحثًا عن مقعدٍ فارغ، فلم يجد.

أشارت إليه سيدةٌ إيرانية تجلس قرب النافذة، وقالت بما فهمه من إشارتها:

— أحضرها إلى جواري.

شكرها حسين، وأجلس زينب قرب النافذة، بينما جلس هو على أرض الحافلة؛ فلم يكن ثمة مقعدٌ آخر، ولم يكن يعنيه في تلك اللحظة سوى أن تستريح أخته.

تحركت الحافلة.

وانطلق من المسجلة صوت قصيدةٍ حزينة:

— لا ترد، ما ظل أثر

كلشي انتهى بسفركم

لا ترد، مات الورد من انقطع خبركم

كتبت على دارك... دمعة انتظارك

انسابت الكلمات في أرجاء الحافلة، كأنها كُتبت لتلك اللحظة وحدها.

التصقت عينا زينب بالنافذة، وراحت تنظر إلى كربلاء وهي تبتعد شيئًا فشيئًا.

الرايات تتراجع...

الأضواء تخفت...

والقبة الذهبية تتوارى خلف الزحام والمسافات.

ظلّت تحدّق في المشهد، والدموع تسيل على خديها في صمت، بينما كانت كلمات القصيدة تتردد في قلبها قبل أن تصل إلى أذنيها.

كانت تودّع المدينة التي بدأت رحلتها إليها بصورةٍ قديمة بين يديها، ثم وصلت إليها بعد أن ظنت أن الطريق قد صار مستحيلًا.

همست:

— الحمد لله...

ثم قالت بصوتٍ خافت ضعيف:

— اللهم ارزقني شفاعة الحسين يوم الورود.

انحدرت دمعةٌ هادئة من عينها، كأنها آخر ما أهدته إلى كربلاء.

أغمضت جفنيها، وأسندت رأسها إلى زجاج النافذة.

نظر إليها حسين من مكانه، فرأى على وجهها سكينةً عجيبة؛ سكينةً تشبه تلك التي رآها عليها في مشهد، لكنها هذه المرة كانت أعمق وأكثر هدوءًا.

بدت ملامحها وقد تحررت من التعب، فيما بقيت آثار الدموع على خديها، كأنها ختمت بها وداعها لكربلاء.

اقتربت منها المرأة الإيرانية الجالسة إلى جوارها، وتأملتها طويلًا.

ثم التفتت إلى حسين.

كانت تريد أن تقول شيئًا، لكن الكلمات لم تسعفها، فاكتفت بنظرةٍ طويلة، امتزج فيها الهدوء بالحيرة.

ظل حسين ينظر إلى أخته في صمت، وقال في نفسه:

— لقد تعبتِ كثيرًا يا أختي العزيزة... ارتاحي.

كانت الحافلة تهتز بهدوء، والبرد يرسم طبقةً من الضباب على زجاجها، فيما أخذت أضواء كربلاء تتلاشى شيئًا فشيئًا.

ظل حسين يراقب وجهها، وشعر أن سكونها يحمل شيئًا لا يستطيع تفسيره؛ كأنها لم تكن غارقةً في النوم فحسب، بل كانت في طمأنينةٍ بعيدة، لا يصل إليها ضجيج الطريق، ولا وجع المرض، ولا قلق المستشفيات.

بقيت زينب ساكنةً.

لم تتحرك، لكن ابتسامةً خفيفةً كانت تستقر على شفتيها، كأنها ما زالت ترى القبة، وكأن قلبها بقي هناك... في حضرة الحسين.

ومضت الحافلة نحو النجف...

وصوت المسجلة يردّد بحزن:

— بويّه تدري من غيابك موتي راحة
واليسافر يبقى عايش ويّا جراحه

ردت أشوفك حتى أگلك بالصراحة
ترجع لمن؟ دنيا ما بيها غير نياحة

لا تظن نفس الوضع لازم يجي بديله
لا تظن لمن ترد تستقبلك عليلة

ماتت بمسارك... دمعة انتظارك

وكانت كربلاء تبتعد عن عيني حسين...

لكنها بقيت ساكنةً على وجه زينب.

انتهت

كاتب وأخصائي تغذية- القطيف